فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 47

وقد ساهم في القول بمساءلة الأشخاص المعنوية جنائيًّا أنها كانت تلعب في الماضي دورًا محدودًا في الحياة الاجتماعية ولكن التطور الاقتصادي والاجتماعي والتكنولوجي الكبير في العصر الحديث أدى إلى انتشار هذه الأشخاص وتزايد أنشطتها، وأصبحت تقوم بدور كبير وعلى درجة كبيرة من الأهمية في مختلف المجالات الحديثة لاستخدامها فيما تمارسه من أنشطة. وبالتالي فكما أنها تحقق فوائد كبيرة للمجتمع والأفراد على حد سواء فإن بعضها يمكن أن يسبب أضرار جسيمة تفوق بكثير الضرر الذي يحدثه الإنسان عندما يرتكب جريمة [1] .

والقاعدة العامة في مساءلة الأشخاص المعنوية جنائيًّا في القانون المصري أن قانون العقوبات لم يتضمن نصًّا يقرر المسئولية الجنائية للأشخاص المعنوية، والرأي السائد فقهُا [2] وقضاءً [3] أن المشرع لا يعترف بهذه المسئولية إلا في الحالات الاستثنائية التي ورد بشأنها نص خاص، فالنصوص الحالية كما يرى الفقه صيغت للآدميين، وما تفرضه من عقوبات وتقرره من إجراءات يصعب تطبيقه على الأشخاص المعنوية، مما يعني أن إقرار معاقبة هذه الأشخاص يتطلب تدخلًا من المشرع ليحدد في نصوص صريحة نطاق مسئوليتها والإجراءات التي تتبع لمحاكمتها وقواعد تنفيذ الجزاء الجنائي الذي يحكم به ضدها.

ويذهب الرأي الغالب في الفقه الحديث إلى القول بوجوب مساءلة الأشخاص المعنوية جنائيًّا إلى جانب معاقبة الشخص الطبيعي الذي ارتكب الجريمة أثناء ممارسة عمله لدى الشخص المعنوي، كما أن الاتجاه الحديث في التشريع المقارن يعترف بمبدأ المسئولية الجنائية للأشخاص المعنوية مما يعني أن هذه المسئولية قد تجاوزت مرحلة الجدل الفقهي حول مدى ملائمة الأخذ بها من عدمه، وأصبحت تمثل حقيقة تشريعية، حيث أقرها المشرع الوضعي صراحة في كثير من الدول مثل القانون الإنجليزي والفرنسي [4] .

كما يجب لإعمال هذا النظام أن يقرر المشرع المصري مسئولية تضامنية بين الشركة والمخبر الذي يعمل لديها والقائم بالإجراء عن الأخطاء التي قد تؤدي إلى حدوث ضرر بالمجني عليه المتعاقد معها أو غيره من الأفراد، حيث يستطيع المضرور بموجب تلك المسئولية الرجوع على الشركة والمخبر للمطالبة بالتعويض.

وأساس مسئولية المخبر هو الخطأ الناتج عن أعماله والذي سبب ضررًا للغير، وأساس مسئولية الشركة هي مسئولية المتبوع عن أعمال تابعه، وهذا ما نص عليه المادة 174 من القانون المدني"يكون المتبوع مسئولًا عن الضرر الذي يحدثه تابعه بعمله غير المشروع متى كان واقعًا منه حال تأدية وظيفته أو بسببها، وتقوم رابطة التبعية ولو لم يكن المتبوع حرًّا في اختيار تابعه متى كانت عليه سلطة فعلية في رقابته وفى توجيهه".

(1) د/ شريف سيد كامل: المسئولية الجناية للأشخاص المعنوية- ص 6 - الطبعة العاشرة 1983 م- دار النهضة العربية.

(2) د/ محمود محمود مصطفى: القسم العام- ص 510 رقم 336 - الطبعة العاشرة 1983 م، د/ عمر السعيد رمضان- شرح قانون العقوبات القسم العام ص 2170 طبعة 1991 م، د/ عبد الرءوف مهدي- شرح القواعد العامة لقانون العقوبات ص 445 - رقم 364 طبعة 1982 م، د/ حسن صادق المرصفاوي: قواعد المسئولية الجنائية ص 48 - ص 1968 م.

(3) وقضت محكمة النقض بأن «الأصل أن الأشخاص الاعتبارية لا تسأل جنائيًّا عمَّا يقع من ممثليها من جرائم أثناء قيامهم بأعمالها بل إن الذي يسأل هو مرتكب الجريمة منهم شخصيًا» نقض 6/ 2/ 1983 م مجموعة أحكام النقض س 34 رقم 37 ص 1968 م.

(4) وفي تفصيل هذا الأمر ينظر: د/ إبراهيم على صالح - المسئولية الجنائية للأشخاص المعنوية- رسالة دكتوراه- جامعة القاهرة 1980 م- ص 48 وما بعدها - د/ شريف سيد كامل: المسئولية الجنائية للأشخاص المعنوية، المرجع السابق- ص 6 وما بعدها، د/ عبد الفتاح الصيفي: الأحكام العامة للنظام الجنائي- المرجع السابق، ص 445 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت