فهرس الكتاب
إن ضبط الفروع وجمعها في قالب مُنسّق لصيانتها من الضياع والتشتت هو ما عبّر عنه إمام الحرمين الجويني أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الشافعي [1] (ت 478 هـ) رحمه الله في هذا الباب حيث قام بتأصيل هذه القواعد في آخر كتابه الغياثي، عقد فيه فصلًا مستقلًا محكمًا يتعلق بموضوع القواعد الفقهية حيث يقول:"إن المقصود الكلي في هذه المرتبة أن نذكر في كل أصل من أصول الشريعة قاعدة تنزل منزلة القطب [2] من الرّحا [3] ، والأسّ من المبنى [4] ، ونوضح أنها منشأ التفاريع واليها انصراف الجميع" [5] .
أما ترتيب هذه الصناعة وتوجيه حكمتها فقد عبّر عنهما الكاساني علاء الدين أبو بكر ابن مسعود الحنفي (ت 587 هـ) [6] في كتابه بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، حيث سار في شرحه على نهج قويم في ربط الفروع بأصولها، وظهرت براعته في إبراز القواعد في مواطن كثيرة من الكتاب، وهو ما عبر عنه في مقدمة كتابه بقوله."الغرض الأصلي والمقصود الكلي من التصنيف في كل فن من فنون العلم هو تيسير سبيل الوصول إلى المطلوب على الطالبين وتفهيمه إلى إفهام المقتبسين، ولا يلتئم هذا المراد إلا بترتيب تقتضيه الصناعة وتوجيه الحكمة وهو التصفّح عن أقسام المسائل وفصولها وتخريجها على قواعدها وأصولها ليكون أسرع فهمًا وأسهل ضبطًا، وأيسر حفظًا فتكثر الفائدة [7] ."
وقد اعتد بهذه القواعد وأشار إليها -أيضًا- الإمام النووي، أبو زكريا، محيي الدين، يحيى بن شرف [8] (ت 676 هـ) في كتابه المجموع شرح المهذب للشيرازي عند بيان المنهج الذي سلكه في الشرح فقال:"وأما الأحكام فمقصود الكتاب، فأبالغ في إيضاحها بأسهل العبارات، وأضم إلى ما في الأصل من الفروع والتتمات ... والقواعد المحررات والضوابط الممهدات" [9] .
وإلى تنظيم الفقه بالقواعد، واستنهاض الهمم لاقتباسه أشار الإمام القرافي، شهاب الدين أحمد بن إدريس فقيه المالكية [10] (ت 684 هـ) في كتابه الذخيرة حيث قال:"وأنت تعلم أن الفقه -وإن جلّ- إذا كان مفترقًا تبدّدت حكمته، وقلت طلاوته، وبعدت عن النفوس طلبته، وإذا"
(1) وهو الإمام الكبير في أصول المذهب والفروع، شيخ الشافعية، كان مجمعًا على إمامته شرقًا وغربًا، ولد عام (419 هـ) ، وتفقه على والده، له الإرشاد في أصول الدين، والبرهان في فصول الفقه، انظر ترجمته في طبقات السبكي (5/ 165 - 222) ، والسير للذهبي (18/ 468) .
(2) القطب هو المركز (Centre) .
(3) الرّحا: الطاحونة، وقطب الرّحا ما تدور عليه، كما في المصباح.
(4) الأسّ: أي الأساس، والمبنى: البناء.
(5) الجويني الغياثي، الصفحتان (434 - 435) .
(6) وقيل: الكاشاني، الفقيه، الملقب بملك العلماء، من أهل حلب، له السلطان المبين في أصول الدين. انظر ترجمته -عند القرشي- في الجواهر المضية (2/ 244) .
(7) الكاساني بدائع الصنائع (1/ 2) .
(8) علامة الفقه الشافعي والحديث، المولود في نو، من قرى حوران، ولد عام (631 هـ) وتعلم في دمشق، وله منهاج الطالبين في الفقه، والمنهاج شرح صحح مسلم، ورياض الصالحين، وغيرها. انظر ترجمته في طبقات السبكي (5/ 167) وتذكرة الحفاظ للذهبي (4/ 250) .
(9) النووي المجموع (1/ 8) .
(10) الصنهاجي الأصل، الفقيه الأصولي المفسّر، ولد بمصر عام (626 هـ) من تصانيفه الذخيرة في الفقه، والتنقيح في أصول الفقه، والإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام، والفروق. توفي بمصر القديمة. انظر ترجمته عند ابن فرحون في الديباج (62 - 67) ، وعند الصفدي في الوافي بالوفيات (5/ 119) .