المبحث الثاني
مرحلة النمو والتدوين
(وتمتد هذه الفترة من القرن الرابع الهجري حتى ما بعد القرن الحادي عشر الهجري) . إنه عصر القواعد الذهبي، وهو ما سنمثل له بشيء من التفصيل. ويروى أن الإمام الدباس [1] -وقد عاش في القرنين الثالث والرابع الهجري- قد جمع (17) قاعدة كلية في مذهب أبي حنيفة، وقد تلاه الكرخي [2] (ت 340 هـ) -الذي هو من أقران الإمام الدباس- وقد اقتبس منه بعض تلك القواعد وضمها إلى رسالته المشهورة التي تحتوي على (37) قاعدة، لعلها أول نواة للتأليف في هذا الفن، وفي هذا دليل على أن فقهاء المذهب الحنفي هم الأسبق بوضع هذه القواعد، خصوصًا لتوسعهم في الفروع. كما ألف الإمام محمد بن حارث الخشني المالكي [3] (ت 361 هـ) كتابه أصول الفتيا.
-ثم جاء في القرن (5 هـ) الإمام الدبوسي عبد الله بن عمر أبو زيد الحنفي [4] (ت 430 هـ) فوضع كتابه تأسيس النظر وضمنه طائفة من الضوابط الفقهية الخاصة بموضوع معين من القواعد الكلية مع التفريع عليها، مستفيدًا من عمل الكرخي.
-وفي القرن (6 هـ) كتب الإمام علاء الدين محمد بن أحمد السمرقندي [5] (ت 540 هـ) إيضاح القواعد [6] .
-ثم بدأت القواعد تتبلور وتختمر في القرن (7 هـ) مع محمد بن إبراهيم الجاجرمي [7] (ت 613 هـ) صاحب القواعد في فروع الشافعية، تلاه العز بن
(1) هو الإمام أبو طاهر محمد بن محمد الدباس إمام أهل الرأي في العراق: حفظًا وخبرة في الروايات، من أقران الكرخي، ولي القضاء بالشام، وكان ضريرًا، يكرر كل ليلة تلك القواعد بمسجده بعد انصراف الناس. توفي بمكة المكرمة، وترجمته في الفوائد البهية للكنوي الصفحة (187) ، وذكروا أن الفقيه الشافعي أبا سعد الهروي (قيل هو محمد بن أحمد بن أبي يوسف(ت 488 هـ) من أهل هراة قد رحل إلى أبي طاهر، ونقل عنه بعض هذه القواعد، ومنها الخمس الكبرى الأساسية، انظر السيوطي الأشباه والنظائر، الصفحة (7) وابن نجيم، الأشباه و النظائر، الصفحتان (10 - 11) .
(2) الكرخي، نسبة إلى كرخ العراق، هو مفتي العراق، وشيخ الحنفية، أبو الحسن، عبيد الله بن الحسين بن دلال، ولد عام (260 هـ) وانتهت إليه رئاسة المذهب الحنفي، وانتشر تلامذته في البلاد، واشتهر اسمه، وبعد صيته، وقد سبقت ترجمته.
(3) هو الفقيه الحافظ محمد بن حارث الخشني المالكي، القيرواني ثم الأندلسي، أبو عبد الله، انتقل إلى قرطبة صغيرًا، فتعلم بها وولي الشورى، وألّف لأمير المؤمنين المستنصر بالله كتبًا كثيرة، وكان شاعرًا بليغًا (ت 366 هـ) ، من كتبه القضاة بقرطبة، وأخبار الفقهاء والمحدثين. وترجمته في إرشاد الأريب لياقوت (6/ 472) ، و بغية الملتمس للضبيّ (61) وفيهما كان حيًا في حدود (330 هـ) .
(4) الدّبوسي أول من وضع علم الخلاف وأبرزه إلى الوجود، كان فقيهًا باحثا، نسبته إلى دبوسية (بين بخارى وسمرقند) ووفاته في بخارى عام (430 هـ) من كتبه الأسرار (في الأصول والفروع) عند الحنفية، وتقويم الأدلة، وترجمته في وفيات الأعيان لابن خلكان (1/ 253) ، و الجواهر المضية للقرشي (1/ 339) .
(5) هو الإمام علاء الدين، محمد بن أحمد السمرقندي، الفقيه الأصولي، الحنفي، أقام في حلب، من آثاره: ميزان الأصول في نتائج العقول، في أصول الفقه، وتحفة الفقهاء، انظر الفوائد البهية للكنوي (92) ، وكشف الظنون لحاجي خليفة (376، 1542، 1917) .
(6) ذكره البغدادي في هدية العارفين (6/ 90) .
(7) الجاجرمي هو الفقيه الشافعي، معين الدين، أبو حامد، من أهل (جاجرم) بين نيسابور وجرجان، اشتهر وتوفي بنيسابور، من كتبه. بيان الاختلاف بين قولي الإمامين أبي حنيفة والشافعي، وأصول الفقه، والكفاية، والقواعد وترجمته في وفيات الأعيان لابن خلكان (1/ 477) ، وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي (5/ 19) .