فهرس الكتاب
رأيت الأحكام مخرّجة على قواعد الشرع مبنية على مآخذها نهضت الهمم حينئذ لاقتباسها، وأعجبت غاية الإعجاب بتقمص لباسها" [1] ."
وقد عمد الزركشيّ بدر الدين محمد بن بهادُر بن عبد الله [2] (ت 794 هـ) إلى تبيان أهداف القواعد بالربط بينها وبين مثلث الضبط والاطلاع والتنظيم عند الفقيه، فقال في مقدمة كتابه المنثور من القواعد:"وهذه قواعد تضبط للفقيه أصول المذهب، وتطلعه من مآخذ الفقه على نهاية المطلب، وتنظم عقده المنثور في سلك، وتستخرج له ما يدخل تحت ملك" [3] .
بل أكد العلامة ابن نجيم زين الدين بن إبراهيم الحنفي من علماء القرن العاشر [4] (ت 970 هـ) ، أن وصول الفقيه إلى درجة الاجتهاد يتم بمعرفه القواعد، إذ هي سلم الارتقاء حتى في الفتوى، فقال في كتابه الأشباه والنظائر:"وبها يرتقي الفقيه إلى درجة الاجتهاد ولو في الفتوى" [5] ، ذلك لأن الفقيه وقف على الحكم الكلي الذي يندرج تحته كل فرع جزئي لوجود علة الحكم في مضمونه.
ومع هذه الإشارات الهامة من سلفنا الصالح إلى أهمية القواعد الفقهية في دنيا الفقه والفتاوى والقضاء فإن بعض الكليات الشرعية الإسلامية المعاصرة في دول عالمنا الإسلامي لا تجعلها من برامجها المقررة طوال سني الدراسة، بل يقتصر بعضها على تدريسها في مرحلة الدراسات العليا ولمن أراد، علمًا"أن هذه القواعد والكليات الشرعية هي خلاصة الشريعة، وسلافة الفقه الإسلامي، وزبدة العقول المبدعة عبر القرون، إنها جاءت من تأمل العباقرة ومقارناتهم واستقرائهم في النصوص وغايتها، وحكمة الشريعة ومقاصدها، لقد جاءت بعد جهود مضنية خلال ردح من الزمن الطويل ومع تقليب النظر، وطول الأناة، ومنها: ما هو محل اتفاق، ومنها: ما هو محل اختلاف، ومنها: ما هو مطرد، ومنها: ما هو أغلبي."
لقد كانت هذه القواعد في نحتها وبنائها وفي ربط جزئيات الفقه بها عملًا من"أجل الأعمال الإنسانية، لترشيد الفكر، وتقويم السلوك، وتصحيح الوجهة، وإقامة العدالة في هذه"
(1) القرافي الذخيرة (1/ 36) .
(2) سبقت ترجمته.
(3) الزركشي، المنثور من القواعد (1/ 66) .
(4) الفقيه العالم المصري. وله الأشباه والنظائر في أصول الفقه، والبحر الرائق في شرح كنز الدقائق في الفقه. انظر ترجمته في شذرات الذهب لابن العماد (8/ 358) ، والفوائد البهية للكنوي (134) .
(5) ابن نجيم الأشباه والنظائر الصفحة (15) .