فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 48

فالدعوى في حد السرقة شرط للحكم بالمال ولكنها (الدعوى) شرط في الحد (القطع) ولهذا لو شهد شاهدان على السارق بحد السرقة بدون دعوى فإن شهادتهما تكون مقبولة ويحبس السارق حتى يجيء المسروق منه ولا يقطع لاحتمال أن يكون المال المسروق مال الجاني وهو لا يعرف ذاك [1] أو غير ذلك بأن يكون المالك أباحه له أو أذن له في دخول حرزه أو دفعه على طائفة السارق منهم وهذا يكون شبهة يدرأ بها الحد دون المال، وتأخير الشهادة في هذه الحالة لتأخير الدعوى لا يجعل الشهود فاسقين لأن التأخير كان لتأخير الدعوى. هذا بالإضافة إلى أن الشاهد إذا دعي لأداء الشهادة في حقوق الأفراد فتخلف عن أدائها بدون عذر فإنه يكون فاسقا ولا تقبل شهادته، علاوة على أن الحدود تدرأ بالشبهات بعكس غيرها، ولذلك فإن إعطاء الشهادة حكم الإقرار إنما هو قياس مع الفارق ومن ثم فإنه لا يعول عليه ولا يعتد به لأن التهمة متمكنة في الشهادة التي تقادمت أما الإقرار فمنزه عن التهمة فالشخص لا يعادي نفسه في العادة. وأما القول: بأن صدق الشهود وكونهم عدول في شهادتهم إنما هو من الأمور الثابتة والتي لا يؤثر عليها افتراض الضغن أو التهمة لأنها افتراضات مجردة ومن ثم لا يصح بناء الأحكام عليها وإلا لتعطلت إقامة الحدود، فيرد على ذلك بأن الحدود يلزم لإقامتها عدم وجود أية تهمة والتهمة في الشهادة بعد زمن أنما هي أمر نفسي خفي وهذه الأمور النفسية الخفية لها اعتبارها في مجال الحدود، ويكفي لكي ندلل على هذه الأمور النفسية الخفية أن يضع لها أمورا ظاهرة ومحسوسة تكفي لكي تكون دليلا على هذا الأمور النفسية، ومن الأمور الظاهرة التي تدل على الأمور النفسية تحديد المدة التي تتقادم بها الحدود كي يكون مرور هذه المدة دليلا على الأمور النفسية الخفية [2] . ولذلك فإن أصحاب هذا الرأي لم يبنوا حكمهم في رفض التقادم على البواعث النفسية وإنما بنوه على مظاهر واقعية مستمدة من وقائع الشهادة ووصف الشهود وحماية المجتمع وكان الأولى أن يبحثوا أيضا في الدوافع النفسية التي أدت بالشهود إلى السكوت ثم الإدلاء بالشهادة بعد زمن [3] . فالحكم يدار على كونه حقا لله سبحانه وتعالى فلا يعتد بالتهمة في كل فرد من أفراده لأن التهمة أمر خفي أو أمر باطن لا يوفق

(1) المبسوط ج 9 ص 69، تبيين الحقائق ج 2 ص 188، حاشية زد المختار على الدر المختار لابن عابدين ج 4

(2) النظرية العامة لإثبات موجبات الحدود ج 2 ص 19 د. عبد الله الركباني سنة 1981 م مؤسسة الرسالة بيروت

(3) المرحوم الشيخ أبو زهرة- الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي (الجريمة) دار الفكر العربي ص 82.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت