الصفحة 19 من 91

قال المؤلف حفظه الله: ومع ذلك كله لم يعدم الناس في جميع تلك الأعصار من بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، ويحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، وينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عقال الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب يقولون على الله، وفي الله، وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فكم من قتيل لإبليس - من هؤلاء ومن تأثر بهم - قد أحياه أولئك الأئمة الأعلام، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم!

ومن المعلوم عبر القرون أن العلماء هم الذين كانوا يتصدون للأهواء، وأهلها، ويجرون ذلك كله على قاعدة المصالح والمفاسد، فنجدهم يقومون بالرد حينا، ويعرضون عن ذلك أحيانا أخرى، مع بيان الحق (فقه الرد/6) .

أقول: إن كان مقصود المؤلف أن العلماء في أي عصر من العصور كان منهم من يتولى تأليف الردود على أهل الأهواء، ومنهم من يعرض عن ذلك، فهذا صحيح، فلا يجب على جميع علماء الزمن أن يؤلف كل منهم في ذلك، وقد حصل المقصود بتأليف بعضهم، ولاسيما أن العلماء متفاوتون في اختصاصاتهم وقدراتهم، وقد تقدم ذكر كلام الشيخ بكر في هذا في النكتة الثانية.

وإن كان مقصود المؤلف حفظه الله بهذا الكلام أن جميع العلماء في عصر من العصور يعرضون عن الرد فهذا غير صحيح، ولم يأت المؤلف حفظه الله بشواهد على ذلك، ولا أتصور أن هناك بدعة ظهرت في زمن، وأعرض عن الرد عليها جميع علماء ذلك الزمن. وأما إعراض بعض علماء ذلك الزمن عن الرد عليها فلا يعني تعميم الحكم على جميع علماء ذلك الزمن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت