الصفحة 20 من 91

ثم إن في كلام المؤلف شيئا من التناقض ، فقد ذكر أن العلماء كانوا يعرضون عن الرد أحيانا مع بيان الحق فهل بيان الحق لا يعد ردا على من يقول بخلافه ؟!

وإذا كان العلماء يعرضون عن الرد على الأهواء وأهلها أحيانا فهذا يناقض ما ذكره المؤلف في أول كلامه من أن الناس في جميع تلك الأعصار لم يعدموا بقايا من أهل العلم ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة ، وأطلقوا عقال الفتنة .

والصواب أن علماء الأمة في جميع العصور لم يخلوا بواجبهم في الرد على الأهواء وأهلها ، بل قاموا بذلك خير قيام ، وإنما تنوعت أساليب ردهم ، بحسب ما تقتضيه المصلحة وما يناسب المقام ، فمنهم من يرد بردود صريحة مباشرة ، ومنهم من يعدل عن ذلك ، ويكتفي بأنواع أخرى من الرد لبيان الحق دون تعريض بأحد أو إشارة إلى أنه قصد بذلك أحدا بعينه ، ومنهم من يفعل هذا أحيانا ، وهذا أحيانا ، حسب ما تقتضيه المصلحة الشرعية .

قال عاصم الأحول: جلست إلى قتادة ، فذكر عمرو بن عبيد [ يعني المعتزلي] ، فوقع فيه ، ونال منه فقلت: أبا الخطاب ، ألا أرى العلماء يقع بعضهم في بعض ؟! فقال: يا أحول ، أولا تدري أن الرجل إذا ابتدع بدعة ينبغي لها أن تذكر حتى يحذر . (الكامل في ضعفاء الرجال 5/97) .

وقال ابن الجوزي: والله سبحانه لا يخلي الزمان من أقوام قوام بشرعه ، يردون على المتخرصين ، ويبينون غلط الغالطين . (تلبيس إبليس /401) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت