الصفحة 30 من 91

أقول: هذا التعميم والإطلاق فيه نظر ، فالتعامل مع المخالف يختلف باختلاف نوع المخالفة ، ومنزلة المخالف ، والقدرة على التعامل معه بما يستحقه على مخالفته . ولا شك أن هناك مخالفات لو وقعت في هذا العصر فإنه ينبغي أن يشدد في الرد على أصحابها بأكثر مما لوكانوا في زمن الخلفاء الراشدين والقرون المفضلة .

مثال ذلك أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يرى جواز نكاح المتعة ، ويفتي به ، مخالفا بذلك جمهور الصحابة رضي الله عنهم ، فهل إذا جاء أحد ممن ينتسب إلى السنة في هذا العصر فتبنى هذا القول وصار يفتي به ، أيكون التعامل معه كالتعامل مع ابن عباس في ذلك العصر ؟ لاشك أن التعامل معه أشد ؛ لأن فعله أشنع وأقبح وإن كانت صورة المسألة واحدة . وكذلك مخالفة ابن مسعود رضي الله عنه في المصاحف ورفضه الانصياع لأمر عثمان رضي الله عنه في تحريق ماعدا المصاحف التي اعتمدها .

قال النووي: كان مصحفه [يعني ابن مسعود] يخالف مصحف الجمهور ، وكانت مصاحف أصحابه كمصحفه فأنكر عليه الناس ، وأمروه بترك مصحفه وبموافقة مصحف الجمهور ، وطلبوا مصحفه أن يحرقوه كما فعلوا بغيره ، فامتنع ، وقال لأصحابه:"غلوا مصاحفكم"أي اكتموها {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} يعني فإذا غللتموها جئتم بها يوم القيامة ، وكفى لكم بذلك شرفا ثم قال على سبيل الإنكار: ومن هو الذي تأمرونني أن آخذ بقراءته ، وأترك مصحفي الذي أخذته من في رسول الله صلى الله عليه وسلم (شرح النووي على صحيح مسلم 16/16) .

فلو خرج أحد في هذا العصر يريد نشر أحد المصاحف المخالفة للمصحف العثماني ، واعتماده في القراءة فهل سيكون التعامل معه مثل التعامل مع ابن مسعود رضي الله عنه في ذلك العصر ؟ اللهم لا ، وإنما سيكون التعامل معه أشد وأنكى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت