قوله تعالى فيما ذكره عن سليمان عليه السلام وملكة سبأ أن الهدهد جاءه مخبرًا مستنكرًا أمرًا فظيعًا فقال: {أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين* إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم* وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون} (النمل:22 - 24) .
وقد استنكر الهدهد من شأن هؤلاء القوم أمرين عظيمين: كون امرأة تملكهم، وكونهم يعبدون الشمس من دون الله!!
ولذلك عمل سليمان على إزالة هذين المنكرين جميعًا، فلما أرسل كتابه إليهم أمرهم بأمرين: هو أن يسلموا، وأن يأتوا إليه، وهددهم بقوله {ألا تعلوا علي} ولو كان متولي أمرهم رجلًا لأمرهم بالإسلام فقط وأقرهم على ملكهم إن أسلموا، وقد كان هذا في شريعته وشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم فإن النبي كان يدعو الملوك إلى الإسلام، فإن أسلموا أقرهم على بلادهم كما فعل مع ملك عمان، وملك البحرين. ومن لم يقبل من الإسلام حاربه.
وسليمان لم يكن ليقر امرأة لو أسلمت ويقرها ملكة على قومها لأن هذا مخالف لأمر الله وحكمه. ولذلك دعاها وقومها للإسلام وأن تأتي بنفسها إليه هي وقومها خارجة من ملكها قبل أن يرسل إليها من يخرجها وقومها ..
ولما تيقن سليمان أن المرأة قد جاءته مسلمة مذعنة لم يكتف بهذا بل نقل عرشها كله إليه ليسل عرشها وينهي وجود هذا المنكر في كون امرأة تتولى هذا الشأن العام وهذه الولاية الكبرى في قومها ..
ولو كان تملك امرأة جائزًا في شرع سليمان لأقرها في حكمها بعد أن أعلنت إسلامها. ولما استحل أن يأخذ عرشها من خلف ظهرها ..
وفي شريعة محمد صلى الله عليه وسلم أن الكافر إذا أسلم فقد عصم ماله ودمه كما قال صلى الله عليه وسلم: [أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فإن قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله] (رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن، وهو متواتر كما قال الألباني) .
فدم الكافر وماله يعصم بمجرد قول لا إله إلا الله. ولو كان قالها تحت السيف. والشاهد أن سليمان عليه السلام إنما نقل عرش بلقيس إليه لأنه منكر أن تتربع امرأة على عرش ولذلك قال لمن حوله: {أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين} فقد كان يعلم أنهم استجابوا لرسالة الإسلام وقبلوا دعوة سليمان، ولم يحاربوا، ومثل هؤلاء إذا قبلوا الإسلام يجب قبوله منهم ولا يجوز غنيمة أموالهم ولا نسائهم ..