فإنها تقتضي بأن يرجعوا إلى المدينة دون إتمام عمرتهم في مكة وليس بينهم وبين مكة شيء!! وأن يعودوا لقضاء هذه العمرة نفسها العام القادم!! وأن من فر من المسلمين إلى قريش فلا يردوه، ومن فر من قريش مسلمًا إلى الرسول رده إليهم!! وشروط أخرى لم يرتضها المسلمون إلا موافقة للنبي صلى الله عليه وسلم وطاعة لله سبحانه وتعالى.
ولذلك لما أمرهم الرسول بالتحلل من العمرة في مكانهم بالحديبية لم ينشط أحد منهم لتنفيذ أمر الرسول .. فلما دخل الرسول صلى الله عليه وسلم مهمومًا وأخبر أم سلمة بما لقي من الناس أشارت إليه أن يخرج بنفسه فيحلق شعره، ويذبح هديه وأنهم سيفعلون .. وقد كان ..
وليس في هذه القصة إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخذ برأي أم سلمة عندما أشارت بهذا الرأي الصائب. وأن أم سلمة رضي الله عنها كانت راجحة العقل نافذة البصر ويستفاد من هذا: جواز استشارة المرأة وجواز أخذ رأيها، وفضل أم سلمة رضي الله عنها، وصبر الرسول صلى الله عليه وسلم وحلمه، وما اعترى الصحابة رضي الله عنهم من الذهول والغم من جراء صلح الحديبية ثم ما من الله عليهم بعد ذلك من التسليم والطمأنينة كما قال تعالى في الآيات التي نزلت في هذه الحادثة: {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانًا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليمًا حكيمًا} (الفتح:4) .
وقال تعالى: {إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليمًا} (الفتح:26) .
فما وجه الدلالة أن يكون سماع الرسول لمشورة أم سلمة دليلًا على جواز انتخابها وترشيحها ..
وهل جعل الرسول أم سلمة عضوا يستشار، وهل كان لها ولأمهات المؤمنين مشورة في سياسة الأمة وهل كان لهما مع الصديق والفاروق ونظرائهم من الرجال رأي في اختيار الأمراء والوزراء، وإعداد الجيوش ونظام بيت المال!!
ولم يقل أحد: إنه يحرم لذي سلطان أن يستشير زوجته في شأن ما، أو يأخذ رأي النساء في قضية من القضايا كما للمرأة الحق في أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتدل على الخير، ..
ولكن أن يكون لها الحق أو عليها الواجب أن تتولى ولاية عامة إمارة أو وزارة، أو قضاءا، أو تكون عضوا في مجلس تشريعي .. فليس في هذه القصة دليل على هذا الأمر.
ومن أقبح ما استدل به القائلون بتولية المرأة استدلالهم بتولي شجرة الدر التركية محظية الملك الصالح نجم الدين أيوب شئون الحكم في مصر وأنها قاتلت الفرنج وهزمتهم .. الخ.