بل يجب إقرارهم على ملكهم، وعدم التعرض لشيء من أموالهم (وبسط أدلة هذا في غير هذا الموضع) وإنما الشاهد هنا بيان أن سليمان إنما أتي بعرش بلقيس مع مجيئها مسلمة إليه ليزيل هذا المنكر كلية، فيضم بلقيس الملكة إليه. وينقل عرشها كذلك إليه .. ولو لم يكن هذا منكرًا لما حل له أن يأخذ عرشها غنيمة وهي مسلمة .. كيف والغنائم كذلك كانت حرامًا عليه في شريعة موسى؟ فإن الغنائم لم تحل إلا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ومقصد سليمان هو إزالة هذا المنكر: بقاء عرش امرأة كانت تحكم قومها ..
قوله تعالى: {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا* وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا* واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفًا خبيرًا} (الأحزاب:32 - 34) .
وهذه الآيات تعليم وتوجيه وأمر لازم لنساء النبي صلى الله عليه وسلم في أدب الكلام ووجوب القرار في البيت والنهي عن تبرج الجاهلية. ولا شك أن الأمر بالقرار في البيوت لنساء النبي اللاتي هن قدوة جميع النساء ينافي تولي المرأة للولايات العامة التي من ضروراتها الخروج اليومي من المنزل، والخلطة بين الرجال، فإن امرأة تكون وزيرة أو أميرة أو قاضية لا بد لها من الخروج كل يوم والاختلاط بأصحاب الحاجات، ومعرفة الناس رجالهم ونسائهم .. وهذا ينافي أمر الله للنساء بوجوب القرار في المنزل.
قوله تعالى: {وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب} (الأحزاب:53) وهذا أمر لأصحاب النبي في كيفية طلبهم حاجة من أمهات المؤمنين وهو ألا يسألونهن إلا من وراء حجاب (جدار أو ستارة ونحوها) وعلل الله ذلك بأن هذا أطهر لقلوب الصحابة، وأطهر لقلوب أمهات المؤمنين فكيف وهذه القلوب جميعها قد طهرها الوحي، والصحبة، ونقاها ضوء الإسلام الساطع في حياة النبي صلى الله عليه وسلم .. فكيف بمن بعد عهدهم عن الوحي والصحبة .. ألا يرشد هذا إلى أنه كلما كان هناك حجاب بين المرأة والرجل الأجنبي عنها كان هذا أطهر وأكمل .. فكيف يتوافق هذا مع زج المرأة إلى الولاية العامة التي من شأنها ولوازمها الخلطة اليومية بين المرأة وبين غير محارمها.
والخلاصة أن آيات القرآن في هذا الشأن قاضية بوجوب دفع الأمانة وهي الولاية العامة إلى الرجال الأكفاء الأمناء، وأن تولية المرأة منكر عظيم فهو مع الكفر منكر إلى منكر ومع الإسلام أشد نكرًا، وقد هب نبي وهو سليمان عليه السلام في ملكه بمجرد سماعه به حتى أزاله، وهو يبعد عنه آلاف الأميال. وأن الرجل هو الذي يتولى شأن المرأة مطلقًا فهو سيدها في المنزل {وألفيا سيدها لدى الباب} (يوسف:25) ، {الرجال قوامون على النساء} . وأن المرأة ليس لها ولاية على ولد ولا أخ بل ولا على نفسها