وهذا الأمر مما ابتليت به الأمة في مطلع قيامها، وهو يتكرر على مر الأزمان في مختلف بلاد المسلمين. حيث برزت مباديه عندما كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقسم بعض المال إذ طلع له سلف المكفرين وجدهم معترضا عليه فقال: (يا محمد اتق الله) ويهم أحد الصحابة مستأذنًا بقتله، فيمنعه الرسول - صلى الله عليه وسلم - قائلا: (إن من ضئضئ هذا قوما يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) [1]
ودعونا نقف برهة محللين لهذه الحادثة ومتسائلين: من أين أُتي هذا الدعي حتى ظن أنه أعلم من الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالعدل ومواقعه؟ لقد أُتي من جهله بمقاصد الدين والأحكام، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يريد أن يتخذ من المال والغنائم مطية يتألف بها قلوب البعض ويكل آخرين لإيمانهم، ذلك أن القصد من التشريعات والأحكام أن يساق الناس إلى الدين الحق لينتهي بهم الأمر إلى رضوان الله والنعيم الأبدي، لذا أعطى الرسول - صلى الله عليه وسلم - هؤلاء ولم يعط المؤمنين لأن عندهم من الإيمان ما به يسيرون إلى الله فيتحقق المقصد. وهذا الفهم العظيم والسامي لم
(1) البخاري - كتاب التوحيد - رقم الحديث 7432