التكاليف الشرعية شرعت لتحقيق مصالح العباد في الدارين، لذا فالشريعة جاءت بتحصيل مصالح العباد وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها. وقد استقرأ علماء الشرع أوجه هذه المصالح وحدودها ورتبوا أولوياتها، وبينوها مفصلة في كتب الأصول، ولكن يحدث الخلاف في تقدير ما يعتبر منها عندما تشتبك هذه المصالح والمفاسد في صعيد واحد أو قضية محددة بحيث لا ينفك تحصيل المصلحة من مفاسد تعلق بها أو لا ينفك اجتناب المفاسد من ترك مصالح تعلق بها. لذا تمهد في القواعد الأصولية مبنى الشريعة على تحقيق أكمل المصلحتين بتفويت أدناهما ودفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما، وذلك عندما تتلاقى المصالح والمفاسد على صعيد واحد.
وقد عقد شيخ الإسلام ابن تيمية فصلًا مفيدًا جدًا في هذه القضية في المجلد العشرين من مجموع الفتاوى (صفحة 48 فما بعدها) ، فلنحاول أن نقف عند بعض فقراته في الأسطر التالية.
قال في وصف الفصل:
[فصل جامع في تعارض الحسنات أوالسيئات، أو هما جميعًا، إذا اجتمعا ولم يمكن التفريق بينهما، بل الممكن إما فعلهما جميعًا، وإما تركهما جميعًا] .