ثم بين منهج الصحابة رضي الله منهم عند اختلافهم وتنازعهم، حيث كانوا يتناظرون ولكن مع بقاء الألفة وأخوة الدين، فيقول:
[فوصف الفرقة الناجية بأنهم المستمسكون بسنته، وأنهم هم الجماعة، وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، إذا تنازعوا في الأمر اتبعوا أمر الله تعالى في قوله (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلًا) [1] . وكانوا يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة، وربما اختلف قولهم في المسالة العلمية والعملية، مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين. نعم من خالف الكتاب المستبين والسنة المستفيضة، أو ما أجمع عليه سلف الأمة، خلافًا لا يُعذر فيه، فهذا يعامل بما يُعامل به أهل البدع، فعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قد خالفت ابن عباس وغيره من الصحابة في أن محمدًا صلى الله عليه وسلم رأى ربه، وقالت: من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله تعالى الفرية، وجمهور الأمة على قول ابن عباس رضى الله عنهما، مع أنهم لا يُبدّعون المانعين الذين وافقوا أم المؤمنين رضي الله عنها، وكذلك أنكرت أن يكون الأموات يسمعون دعاء الحي، لمّا قيل لها: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم) فقالت: إنما قال: إنهم ليعلمون الآن أن ما قلت لهم حق، ومع هذا فلا ريب أن الموتى يسمعون خفق النعال، كما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه، إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام) وصح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى غير ذلك من الأحاديث، وأم المؤمنين تأولت،
(1) (النساء:59)