إن ما ذكرناه سابقا من أسباب الخلاف سواء في ثبوت النص أو في دلالته، معظمه يدور في فلك الاجتهاد الذي لا يعاب فيه على المخالف إذا كان خلافه قد صدر عن اجتهاد صحيح أو سائغ، وبالتالي فإن التمييز بين موارد الإجماع التي لا يعذر فيها المخالف وموارد الاجتهاد التي يعذر فيها، يعد أمرا ضروريا لكل من تصدى لمواضع الإختلاف كي لا يقع في أعراض العلماء والمسلمين بمجرد مخالفتهم لاختياراته العلمية، ذلك حتى يعذرهم فيما كان من موارد الاجتهاد أو يرد عليهم بأدب السلف فيما كان مجمعا عليه لكنهم أخطأوا فيه، وفي ذلك يقول الدكتور صلاح الصاوي في مقدمة كتابه القيم (الثوابت والمتغيرات في مسيرة العمل الإسلامي المعاصر) :
[ولا يخفى على المتأمل أن كثيرًا من القضايا الكبرى التي مثلت نقاط تماس واختناق في واقع العمل الإسلامي المعاصر، والتي أدى الإختلاف حولها إلى كثير من التهارج والتدافع، لم يكن مرد الإختلاف فيها إلى تنازع حول الأصول العلمية الضابطة لهذه القضايا بقدر ما كان تنازعًا حول تحقيق المناط فيها، والتباسًا في بعض الأمور العملية التي يؤدي خفاؤها أو تراكم الغبش حولها إلى الإختلاف في توصيف هذه القضايا، ومن ثم في تكييفها، وترتيب الوسائل والمناهج اللازمة للتعامل معها.
كما لا يخفى أن جانبًا من هذا الخلل يرجع إلى الخلط بين مواضع الإجماع ومجاري الإجتهاد، وعدم التمييز الدقيق بين ما يدخل في دائرة كل منهما من قضايانا المعاصرة، مما أدى إلى الاضطراب والخلل في ترتيب