والأقرب إلى المعنى اللغوي الذي يجعل الذمة هي العهد، وحجتنا في ذلك ما يلي:
1.أن أهلية الوجوب تعني الصلاحية للإلزام والالتزام، وأنه لابد من وجود محل لهذه الصلاحية، فإذا أنكرنا وجود هذا المحل فإن الصلاحية غير موجودة من باب أولى، لأن الإنسان جبل بفطرته على تحمل التكاليف، فلا يمكن تكليفه في غير محل، والذمة هي المحل لتلك التكاليف.
2.نستطيع القول أن هناك ترابطًا بين الذمة وأهلية الوجوب، وتلازمًا فلا يوجد أحدهما دون الاخر، عدى في حالة واحدة هي حالة وجود أهلية وجوب ناقصة وهي (أهلية الجنين) كون الجنين له استحقاق وليس عليه واجب، وبالتالي لا توجد عند الجنين ذمة إلا بعد ولادته حيا.
ويؤيد ما ذهبنا إليه الدكتور مصطفى الزرقاء، عند مناقشته لتعاريف الذمة، بقوله: (وهذه التعاريف وغيرها إنما تذهب بالذمة إلى الأهلية بشكل عام، وهي أهلية الوجوب، وأهلية الأداء، لكن هذا غير صحيح فالذمة في الحقيقة تدل على معنى الظرفية المقدرة في الإنسان لقبول ما يثبت له وعليه من حقوق وواجبات، وتوضيح ذلك، أن أهلية الوجوب ذات عنصرين.
أ - عنصر القابلية لثبوت الحقوق له.
ب- عنصر تقبله لثبوت الحقوق عليه.
أ- فناحية ثبوت الحقوق له يتوقف على أهلية فيه لأن له حقوقا، أي على العنصر الأول من أهلية الوجوب وهذا عنصر يثبت له من كونه جنينا في بطن أمه بإجماع الفقهاء، ولا يستدعي وجود ذمة مقدرة في شخصه لأن الحق له لا عليه.
ب- وأما ناحية ثبوت الحق على الشخص أي ناحية الالتزام، فإنها تتوقف على أمرين:
-أحدهما: أهلية في الشخص لأن تجب عليه حقوق، أي قابلية التحمل، وهو العنصر الثاني من أهلية الوجوب، وهذا يثبت منذ ولادته حيًا.
-ثانيهما: محل مقدر يتسع لاستقرار تلك الحقوق فيه، أي ظرف اعتباري منتزع من شخص الإنسان، تشغله تلك الحقوق حال ثبوتها، ويفرغ منه بسقوطها، فهذا الأمر الثاني أي المحل، وهو المعنى الحقيقي لكلمة (الذمة) فقهيًا [1] .
(1) الدكتور/ مصطفى الزرقاء: المرجع السابق ج 3 ص 183 - 184.