جعلت تنظر إليه وكأنها لا تريده ولهذا قال: {وهم لا يشعرون} وذلك لأن موسى عليه السلام لما استقر بدار فرعون أرادوا أن يغذوه برضاعة فلم يقبل ثديا ولا أخذ طعاما فحاروا في أمره واجتهدوا على تغذيته بكل ممكن فلم يفعل كما قال تعالى:
{وحرمنا عليه المراضع من قبل} فأرسلوه مع القوابل والنساء إلى السوق لعلهم يجدون من يوافق رضاعته فبينما هم وقوف به والنساء إلى السوق عكوف عليه إذ بصرت به أخته فلم تظهر أنها تعرفه بل قالت:
{هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون} ؟ قال ابن عباس: لما قالت ذلك قالوا لها: ما يدريك بنصحهم وشفقتهم عليه؟ فقالت: رغبة في سرور الملك ورجاء منفعته
فأطلقوها وذهبوا معها إلى منزلهم فأخذته أمه فلما أرضعته التقم ثديها وأخذ يمتصه ويرتضعه ففرحوا بذلك فرحا شديدا وذهب البشير إلى"آسية"يعلمها بذلك فاستدعتها إلى منزلها وعرضت عليها أن تكون عندها وأن تحسن إليها فأبت عليها وقالت إن لي بعلا وأولادا ولست أقدر على هذا إلا أن ترسليه معي فأرسلته معها ورتبت لها رواتب وأجرت عليها النفقات والكساوى والهبات فرجعت به تحوزه إلى رحلها وقد جمع الله شمله بشملها.
قال الله تعالى: {فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق} أي كما وعدها برده ورسالته فهذا رده وهو دليل على صدق البشارة برسالته {ولكن أكثرهم لا يعلمون}
وقد امتن على موسى بهذا ليلة كلمه فقال له فيما قال: {ولقد مننا عليك مرة أخرى * إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى * أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني} -طه 37 - 38
وذلك أنه كان يراه أحد إلا أحبه {ولتصنع على عيني} قال قتادة وغير واحد من السلف: أي تطعم وترفه وتعذي بأطيب المآكل وتلبس أحسن الملابس