الهزة الأولى.
*قال: إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا*. . وليتمثل الخيال مقدار الفزع والخجل. وهذا الرجل السوي - الذي لم تثق بعد بأنه رسول ربها - فقد تكون حيلة فاتك يستغل طيبتها - يصارحها بما يخدش سمع الفتاة الخجول , وهو أنه يريد أن يهب لها غلاما , وهما في خلوة - وهذه هي الهزة الثانية.
ثم تدركها شجاعة الأنثى المهددة في عرضها! فتسأل في صراحة: كيف ?
*قالت: أنى يكون لي غلام , ولم يمسسني بشر , ولم أك بغيا ?*. . هكذا في صراحة. وبالألفاظ المكشوفة. فهي والرجل في خلوة. والغرض من مباغتته لها قد صار مكشوفا. فما تعرف هي بعد كيف يهب لها غلاما ? وما يخفف من روع الموقف أن يقول لها: *إنما أنا رسول ربك*ولا أنه مرسل ليهب لها غلاما طاهرا غير مدنس المولد , ولا مدنس السيرة , ليطمئن بالها. لا. فالحياء هنا لا يجدي , والصراحة أولى. . كيف ? وهي عذراء لم يمسسها بشر , وما هي بغي فتقبل الفعلة التي تجيء منها بغلام!
ويبدو من سؤالها أنها لم تكن تتصور حتى اللحظة وسيلة أخرى لأن يهبها غلاما إلا الوسيلة المعهودة بين الذكر والأنثى. وهذا هو الطبيعي بحكم التصور البشري.
*قال: كذلك قال ربك: هو علي هين. ولنجعله آية للناس , ورحمة منا*. .
فهذا الأمر الخارق الذي لا تتصور مريم وقوعه , هين على الله. فأمام القدرة التي تقول للشيء كن فيكون , كل شيء هين , سواء جرت به السنة المعهودة أو جرت بغيره. والروح يخبرها بأن ربها يخبرها بأن هذا هين عليه. وأنه أراد أن يجعل هذا الحادث العجيب آية للناس , وعلامة على وجوده وقدرته وحرية
إرادته. ورحمة لبني إسرائيل أولا وللبشرية جميعا , بإبراز هذا الحادث الذي يقودهم إلى معرفة الله وعبادته وابتغاء رضاه.