فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 159

وقد لخص الإمام أبو حامد الغزالي في الإحياء منهج القرون المفضلة في ذلك فقال:

(واستمرار عادات السلف على الحسبة على الولاة قاطع بإجماعهم على الاستغناء عن التفويض، بل كل من أمر بحروف فإن كان الوالي راضيًا فذاك، وإن كان ساخطًا له: فسخطه له منكر يجب الإنكار عليه, فكيف يحتاج إلى إذنه في الإنكار عليه, ويدل على ذلك عادة السلف في الإنكار على الأئمة) .

على أنه من الملاحظ في خطاب غلاة المدنية غياب حديثهم عن منكرات المظالم العامة أصلًا, وإنما غالب مادة حديثهم تدور حول: الحريات السلوكية والإبداع الثقافي واتهام التراث وربط المؤسسات الدعوية بالعنف والتصفيق للمنجز الغربي ونحوها من القضايا, وسبب غياب الحديث عن منكرات المظالم العامة ما ينطوي عليه من إحراجات يفضلون تحاشيها.

وفريضة الإنصاف تقتضينا أن نقول أن من تصدى للقيام بالعدل العام -ابتغاء وجه الله- وإن كان لديه غلو في بعض جوانب المدنية إلا أنه أشرف وأنزه وأجلّ من المنهمكين في لمز السنة واتهام التراث وتبجيل الغرب والتأليب ضد العمل الدعوي وتصيُّد زلات المحتسبين والتشنيع على الفتاوى الدينية وتلميع النظم ونحوها من القضايا الصحفية البائسة, فأين هذا من ذاك؟!

والذي يعنينا الإشارة إليه هاهنا أن تبيين منزلة الاحتساب السياسي والتصدي للعدل العام وأنه دون الإيمان والفضيلة والفرائض لا يخدش في قيمته ولايغض من شأنه, وإنما الذي يوهن قيمته وينفر الناس عنه -لو أردنا المصارحة- إنما هو مغالاة بعض المنتسبين له فيه, حتى قادهم ذلك إلى الإزراء بأئمة الهدى والمحققين من أهل العلم والفضل, والحط على بعض القرون المفضلة, واتهام جماهير فقهاء السلف بمداهنة السلطة العباسية, ولمز مصادر التراث الإسلامي وأنها اشتغلت بالهوامش, ونحو ذلك مما كان هدفه حشد الاهتمام بالاحتساب السياسي.

حيث ظن بعض هؤلاء المنتسبين لقضيتي"العدل والشورى"أن تفريغ الاهتمام من قضايا الالهيات وتفاصيل التشريع التي اعتنت بها القرون المفضلة سيقود تلقائيًا إلى الانخراط في مشروعات التصدي للعدل العام وتداول السلطة ودسترة النظام السياسي ونحو ذلك من القضايا, والحقيقة أن هذا الأسلوب كثيرًا ما يأتي بنقيض المقصود فيجعل الشاب المسلم المعظِّم للسلف يرتاب بمثل هذه الدعوات ويزهد فيها أساسًا, وهذه نتيجة طبيعية فإن الغلو كثيرًا ما يأتي بنتائج عكسية.

والمغالاة في قضية التصدي للعدل العام حملت بعضهم إلى مآلات كارثية, حتى أن بعض المنتسبين لهذا الاتجاه أصبح يصرح بأن مقصود النبوة إنما هو إقامة العدل الدنيوي ونحو ذلك, وهذا فهم مغلوط له نتائج خطرة, سبق أن أشرنا اليها, وقد أشار لذلك الإمام ابن تيمية في الصفدية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت