فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 159

والله ولو امتلأ القلب بتوقير الله وقدره حق قدره لامتنع أصلًا أن يزاحم حكم الله بحكم رجل هندوسي, ولا يرتاب عاقل أن هذا الموطن الذي يقدم فيه حكم غير الله أن فيه شعبة من شعب النفاق التي حذر الله المسلم من الوقوع فيها, كما في قوله تعالى {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} .

هذا طبعًا من حيث علاقة فكرة السلم المطلق بنصوص الوحي, أما علاقتها بالواقع فهي فكرة رومانسية طريفة, ذلك أن جمهور الأمم المعاصرة اليوم تمجد أبطالها القوميين ذوي البسالة في المعارك الكبرى, وترفعهم بحسب عبقريتهم في ازهاق الأعداء وصناعة الانتصارات القتالية الحاسمة, وتبني لهم النصب التذكارية في مراكز المدن, وهذا أمر مشاهد معلوم.

ومواجهة المحتل بالإثخان والتشريد ونحوها لا تعني الإخلال بأخلاقيات الجهاد الشرعي, كاستهداف أمن البلدان الإسلامية, أو انتهاك فريضة الله في المعاهَد والمستأمَن ومن له شبهة أمان, فهذا انحراف عن الجهاد الشرعي الشريف لا يخالف في ذلك أحد من فقهاء الإسلام المتقدمين أو المعاصرين ولله الحمد, وإنما الموفق من أخذ الكتاب كله ولم يقع في تبعيضه, فعمل بشريعة الإثخان والتشريد وراعى حقوق معصومي الدماء من المسلمين والمعاهدين والمستأمنين ومن لهم شبهة أمان, فإن التحرز في الدماء عنوان الديانة.

بل ما أقرب أن يقال -والعلم عند الله- أنه ما استطال أهل الأهواء اليوم على الدعوة إلا بشؤم معصية الله في انتهاك أخلاقيات الجهاد الشرعي, فبعد أن كان أهل الدعوة في منعة لا يرقى إليهم الشك أصبح الكثير منهم اليوم موضع الارتياب والرقابة, وتسلط عليهم كثير من أهل الباطل بالتعيير والتشنيع, وما أكثر ما تتسبب معصية فردية في ابتلاء عام يطال الأخيار وأفاضل الناس, ولذلك لما عصى الرماة هدي الله في الجهاد سلط الله الكفار حتى نالوا من رسول الله وكبار أصحابه, فكسرت رَبَاعِيتُه وشُجّ في وجهه، ودخل في وجنته الشريفة حلقتان من حلق المغفر، كما قال تعالى: {وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون}

وفي وقعة حنين لما تسربت معصية العجب إلى بعض الأفراد ابتلى الله المسلمين أفاضلهم ومن دونهم فضاقت عليهم الأرض بما رحبت كما قال تعالى: {ويوم حنين اذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت} .

فهذه العمليات المنحرفة التي استهدفت أمن البلدان الإسلامية واستهترت بضوابط الشريعة في عصمة الدماء, تسببت في تشويه الجهاد الملتزم بأخلاقيات الجهاد الشرعي وقيمه السامية, حتى أصبحت لا تكاد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت