فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 159

وفي ختام هذه الورقة النقدية يهمني كثيرًا أن أؤكد مجددًا وبشكل خاص على أن هدف هذه الورقة ليس التزهيد في شأن اعداد القوة واتخاذ الامكانيات الحديثة, ولا تحريم الطيبات والرفاه.

وانما الباعث الجوهري على كتابة هذه الورقة تنامي الخلل في ترتيب الأولويات عند قطاع واسع من المثقفين بما ترتب عليه تضييع كثير من حقائق الوحي والاساءة لمشروع النهضة ذاته, حتى صارت العلوم المدنية هي الغاية والعلوم الالهية مجرد وسيلة تابعة لها, مع أن حقائق القرآن جاءت بعكس ذلك تمامًا وجعلت العلوم الالهية هي الأصل وغيرها تابع خادم لها.

فهذه الفقرات السابقة لم يكن الهدف منها اسقاط قيمة المدنية أو الغاء أهمية الحضارة أو ترسيخ حالة الاستهلاك والتبعية في مجتمعاتنا المسلمة, وانما كانت مجرد مساهمة في اعادة ترتيب أولويات المثقف المسلم, وكشف تصورنا الاسلامي"المختلف"لمفهوم الحضارة والمدنية والتقدم والنهضة والتحديث, بهدف اعادة الاعتبار وكشف أولوية التزكية وشرف العلوم الالهية الموروثة عن خاتم الرسل, وحاجتنا اليها أولًا ثم حاجة العالم المعاصر اليها ثانيًا.

أما استفراغ الوسع والاستطاعة في اعداد القوة واتخاذ الوسائل والامكانيات فهذا واجب شرعي محكم لاخلاف فيه, فالمسلمون اليوم بحاجة ماسة الى الامكانيات الحديثة لابلاغ الرسالة الاسلامية ولتحقيق الغاية الالهية الشريفة التي ذكرها الله في ثلاثة مواضع من كتابه في سورة التوبة والفتح والصف وهي قوله تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق"ليظهره"على الدين كله)

ومثل هذه الغاية الالهية الشريفة لاتتحقق الا باتخاذ الوسائل الشرعية من اعداد القوة والامكانيات, ولذلك قال تعالى:

{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60] .

وفي الصحيحين من حديث ابن عمر:

(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو على المنبر, وهو يذكر الصدقة والتعفف عن المسألة: اليد العليا خير من اليد السفلى, واليد العليا المنفقة والسفلى السائلة)

ولكن استفراغ الوسع والاستطاعة في اعداد القوة واتخاذ الأسباب والامكانيات لايعني الركون اليها وتعلق القلب بها, ولذلك لما قال نبي الله لوط لقومه:

{قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ}

علق النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك تعليقًا بليغًا, حيث روى الترمذي وغيره بسند حسن عن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (رحمة الله على لوط، لقد كان يأوي إلى ركن شديد -يعني: الله عز وجل - فما بعث الله بعده من نبي إلا في ثروة من قومه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت