فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 159

من مقاومة تلك الأعاصير الحداثية إلا حين كانت العلوم الالهية الموروثة عن خاتم الرسل اعظم في نفوسهم من كل ماسواها, فجزاهم الله عن الاسلام والمسلمين كل خير.

وهذه البراهين السابقة إنما هي مستقاة من دروس القرآن والسنة وهدي القرون المفضلة, أما لوشئنا الانتقال إلى"النتائج الواقعية"وقارنَّا مثلًا بين"مخرجات المدرسة التربوية الاسلامية"وبين مخرجات الخطاب الديني المتبني لـ"تعظيم الدنيا"فسنرى البون الشاسع في الفعالية والنجاعة.

فمخرجات المدرسة التربوية الاسلامية عميقة الايمان بمرجعية الوحي, وشديدة الاعتزاز بسلفها, متشبعة بقيم العمل للاسلام والغيرة على الدين, وراسخة الايمان بظلامية الثقافة الغربية, وجادَّة في امتلاك الوسائل الحديثة كالتخصصات العلمية والمؤسسات الاعلامية وتوظيف التقنيات البرمجية والاتصالية, وغير ذلك مما هو ظاهر لكل أحد, فانظر كيف أن اتِّباع منهج الوحي وهدي القرون المفضلة في تعظيم الآخرة لم يقدها الى الرهبانية كما يزعم غلاة المدنية, بل قادها الى النجاح في تنظيم هرمية اهتماماتها بشكل صحيح, فكانت تلك المخرجات التربوية أنجح من غيرها في دينها ودنياها ولله الحمد.

وبالمقابل قارن ذلك بمخرجات الخطاب الديني المتبني لـ"تعظيم الدنيا"تجد من يتصالح معه من العلمانيين لم يتزحزحزا عن علمانيتهم قيد أنملة, ومن استمع له من الشباب الدعاة وتشبع بمفاهيمه تجد الكثير منهم اضطربت معاييره, فنقصت هيبة السلف في نظره, وارتفعت قيمة الكفار, وبدأ يشعر بسذاجة المشروعات الدعوية الايمانية, ثم خسارة"المكتسبات السلوكية"الراقية التي تربى عليها, وغير ذلك من المظاهر المعروفة.

فأين هذا المنهج من ذاك؟

وأساس الخلل الذي لم يتنبه له خطاب"تعظيم المدنية الدنيوية"هو أنه يمارس دون وعي"إعادة تشكيل داخلي للمعايير"بمايتناقض مع المعايير الالهية لقيمة المجتمعات والشخصيات والثقافات والأمم.

صحيح أن من اقترب من بعض النخب المثقفة ممن ابتلي بالتبرم بدين الله فسيرى أن محاولة ابراز معاني المدنية في القرآن والسنة والتراث لهم يساهم في تخفيف إحتقانهم, لكن هذا المنهج وإن كان يخفف بعض الاحتقان لدى أمثال هؤلاء إلا أنه يدمر الشاب المسلم الذي تربى على معاني الايمان ووقر في قلبه إيثار الله والدار الآخرة.

وأصدقك القول أيها القارئ الكريم أنني تأملت كثيرًا في ظواهر الانحراف الثقافي في صحافتنا ومنتدياتنا -وخصوصًا في مستوياته الشبابية- فرأيت انه إذا تشرب قلب الشاب"تعظيم المدنية الدنيوية"و"الغلو في الحضارة المادية"بحيث أصبحت"معياره"في تقييم المجتمعات والشخصيات قاده ذلك"تدريجيًا"الى زهاء خمسة عشر كارثة:

التحييد العملي للنص, والازراء بالقرون المفضلة, والاستخفاف بقيمة علوم الشريعة, واللهج بتعظيم الكفار, والسرور بالحديث الفكري المجرد, والتدهور السلوكي, والعزوف الدعوي, والتحول للمشروعات الفكرية"الشخصية", واستسذاج الموعظة والخطاب الايماني, والحدة في محاسبة الاسلاميين, والرحابة وحسن الظن تجاه الدراسات المنحرفة, وذبول الحمية لله ورسوله تجاه الكتابات المنتهكة للمحكمات, والتركيز على زلات المحتسبين بمايفوق عدوان المجاهرين, والتلذذ بمناهضة الفتاوى, والولع برخص العلماء وشذوذات الفقهاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت