فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 159

وباختصار شديد: إن خطاب الغلو المدني يبدأ بالتجديد وينتهي بالتجديف.

ومن الانصاف أن أؤكد أن أمثال هذه الكوارث لايجمعها كل من غلا في المدنية والعياذ بالله, بل هناك تفاوت هائل لاينضبط طرفاه, وهذا أمر يعرفه كل من تابع الساحة الثقافية, فبعضهم يقارف بعضها وبعضهم يزيد عليها, بل بعضهم فاضل في ذاته لكنه لم يحسم رؤيته تجاه هذه المظاهر نسأل الله أن يحفظ مثل هذا النمط.

وإنما المراد أن أمثال هذه المظاهر الكارثية بمجموعها باتت مشاهد مؤلمة ومحزنة تستدعي استيقاظ الشعور وصعق احساس الدعاة لاطفاء الحريق في منزلنا الداخلي, يجب أن نعمل سويًا بكل مانملك لتحريك الوعي بهذه الأزمة, والتواصي بالحق والتواصي بالصبر.

والمقصود هاهنا أن الأمر المشاهد المعلوم الذي أكدته التجارب الحية أن بعض النخب المثقفة المحتقنة تجاه الدين حتى وإن خف احتقانها عن طريق الخطاب الديني المتبني لـ"تعظيم الدنيا"فإنها تستمر في فرض الرقابة على النص الديني, وتطالبه دومًا أن يكون مبرِّرًا ومسوِّغًا لمنتجات الحضارة المعاصرة, ولاتقبل منه أن يمارس دورًا سياديًا حقيقيًا.

ولايشك مؤمن أن هذه الحالة التي هي"فرض الرقابة على النص"ليست مكسبًا دعويًا ولامنجزًا يتشرف الانسان بتحقيقه, بل هذه الحالة لايرضى بها من عقل حقيقة الاسلام الذي هو"امتلاء القلب بالاستسلام لله", فالانقياد والخضوع والتسليم والامتثال هو جوهر حقيقة الاسلام, ولذلك اشتهر بين أهل العلم تعريف الاسلام بأنه"الاستسلام", وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى الجوهري في حقيقة الاسلام, كما جاء في قوله تعالى:

(ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلَى اللَّهِ وهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى) [لقمان:22] .

كما أقسم الحق تبارك وتعالى على هذا المعنى في قوله تعالى:

{فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمَا} [النساء:65] .

فانظر كيف أقسم تعالى هذه المرة بذاته العظيمة-لابشئ من مخلوقاته كما هي غالب أقسام القرآن- وماذاك إلا تعظيمًا للمُقسَم به, وهو نفي الايمان على من لم يرض ويسلم لأوامر الشارع ونواهيه مع تنظيف القلب من كل حرج أو تردد في القبول.

وأكد سبحانه أنه ليس للمؤمن اختيار أمام أوامر الله ونواهيه, كما قال تعالى:

{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب:36] .

فبالله عليك أخي القارئ تأمل هذا المعنى الذي علق الله عليه الايمان, ثم قارنه بموقف بعض النخب المثقفة التي لاتبتهج بالوحي إلا إذا وافق الحضارة المعاصرة, فإذا لم يوافقها مارست أشد أساليب التعنت في تطلب الحسم الدلالي, وستجد حتمًا أن ذلك نابع من شعبة خفية في القلب تعبر عن شرخ عميق في"أرضية الانقياد"التي يقف عليها إسلام المرء.

ولذلك تجد بعضًا منهم لايسأل أصلًا عن موقف الوحي من هذه المستجدات والمنتجات والتطبيقات والأفكار والفلسفات, بل يتمنى أن لايثير أحد هذا الموضوع أصلًا, فإذا جُوبه بالدليل استنجد بصناع التأويلات, ألا يعكس ذلك ضمور الشغف بمرجعية الوحي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت