وبعض آخر من هذه النخب المثقفة يشعر شعورًا عميقًا أن الوحي ليس لديه إضافة جوهرية للحضارة المعاصرة, بل يعتبر أن أعظم خدمة يسديها للوحي هو أن يؤكد للناس أنه موافق لإبداعات الحضارة المعاصرة, وأن الوحي ولله الحمد ليس ضدها, ونحو ذلك, وهذا جهل عميق بوظيفة النبوات أصلًا, فإن الله تعالى بين أنه بعث النبوات وأنزل معهم الكتب السماوية بهدف أن"تحكم"بين الناس في كل شؤون حياتهم, لاأن تسوِّغ لهم حياتهم, كما قال تعالى:
{فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنزلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} [البقرة:213] .
وتأمل في هذا الشمول الذي ذكرته هذه الآية عن وظيفة الكتب السماوية"ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه"حيث تؤكد هذه الدلالة الشاملة أن"الحاكمية"ليست مقتصرة على الجانب التشريعي فقط, بل يدخل في ذلك الحاكمية الفلسفية والفكرية والثقافية وكل مايختلف الناس فيه, مما يبين أن الصراع مع العلمانية اليوم لايتوقف على"العلمانية التشريعية"التي تدعوا لإقصاء الشريعة عن الأوعية القانونية والمؤسسة القضائية, بل هناك صراع أعمق مع"العلمانية الثقافية"التي تدعوا -نظريًا أو عمليًا- لعزل الوحي عن الحاكمية في نقاش القضايا الفكرية والمنهجية والشؤون العامة.
فإذا أعاد المؤمن تدبر قوله تعالى عن"وظيفة النبوات" {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنزلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} شعر بالهوة الكبيرة التي تفصل بين منهج"تبيئة الحضارة"بمعنى تسويغ منتجات الحضارة عبر التأويلات المتكلفة وشذوذات الفقهاء, وبين منهج"هداية الحضارة"الذي امتلأ باليقين بشدة حاجة أمراض هذه الحضارة الى الدواء الالهي.
إنه بكل بساطة افتراق جذري متصاعد بين من يريد"تقليص"دور الوحي في حياة الناس, وبين من يريد"تفعيل"دور الوحي وبسط هيمنته على الحياة العامة.
والمقصود هاهنا بيان أن هذه"الحالة الدينية"التي سبقت الاشارة إليها -وهي أن بعض المثقفين المحتقنين انتفعوا بالخطاب الديني المتبني لـ"تعظيم الدنيا"- إنما تعبر في الحقيقة عن تدين"غير جاد"ذلك أنه مربوط بمقدار مايقدمه الوحي من"معطيات دنيوية", فإذا نقصت هذه المعطيات الدنيوية أصابته فتنة, وهذه الحالة الدينية المهترئة حالة قديمة قد كشفها لنا القرآن بشكل مبكر, كما يقول تعالى:
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وِإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ} [الحج: 11] .
وقد استنبط ترجمان القرآن ابن عباس هذا المعنى أيضًا من قوله تعالى {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ} حيث يقول رضي الله عنه في معنى هذه الآية:
(كلما أصاب المنافقين من عز الإسلام اطمأنوا إليه، وإن أصاب الإسلام نكبة قاموا ليرجعوا إلى الكفر) .
فإذا وازن العاقل بين"مكسب"تخفيف احتقان بعض النخب المثقفة تجاه الدين, وبين"خسارة"حرارة التدين عند آلاف الطاقات الشبابية الدعوية, علم يقينًا أنه ليس من العقلانية في شئ أن نستصلح بضعة مثقفين محتقنين يعبدون الله على حرف, ونخسر آلاف الشباب المسلم الذين يعدون مكتسبات أضخم وأهم, إذ هم قاعدة الاسلام وأمله القادم.