فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 159

الهندسة وحساب الدوال الرياضية, وفنون العمارة والمسرح والشعر والأدب, وأصول الطب, والمسافات الفلكية, وغيرها كثير وإنما هذه نماذج تكشف مستويات البحث المدني.

ومع ذلك كله فإن الله سبحانه وتعالى لما بعث نبيه في جزيرة العرب لم يبعثه ليقول للناس: يا معشر العرب أنتم تعانون من التخلف المدني ويجب عليكم أن تتجاوزوا جفوة عروبتكم وتتعلموا من الأمم المتقدمة, ولم يقل لهم: يجب عليكم أولًا أن تقفوا موقف التلميذ أمام علوم المنطق والطب والفلك والفلسفة ونحوها ثم تدعوا الناس, ولم يقل لهم: اعرفوا قدر أنفسكم أمام الحضارات الأخرى, ولم يقل لهم: يجب أن تشاركوا الأسرة الدولية في سعادة الجنس الإنساني عبر الإبداع الابستمولوجي!

بل إن الله أخبر نبيه بعكس ذلك تمامًا, فقد أخبر نبيه عن القيمة المنحطة في ميزان الله لكل تلك المدنيات التي عاصرت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم, ووصفها القرآن بالضلال بكل ماتضمنته قوتهم وعلومهم وفنونهم ومدنيتهم, بل وأخبرنا تعالى أنه يبغضهم ويمقتهم ويكرههم سبحانه وتعالى, سواء كانوا أدباء العرب, أم فلاسفة أثينا, أم أطباء الصين, أم حكماء الهند, أم غيرهم.

كما روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث عياض المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته:

«إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم, عربهم وعجمهم, إلا بقايا من أهل الكتاب, وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلى بك»

فمع كل مايوجد على هذه الأرض من العلوم المدنية والفلاسفة والأدباء فإنهم لا وزن لهم في ميزان الله سبحانه وتعالى سواء في ذلك عربهم وعجمهم, ولم يستثن إلا طائفة قليلة من الناس بسبب ما كان لديهم من بقايا النبوات وبعض من أثارة الوحي, فبقايا النبوات وما تضمنته من العلوم والمعارف الإلهية هي نوافذ التنوير الحقيقي في الأرض, وليس التنوير هو الإغراق الفلسفي والمدني, وشاهدُ هذه الخطبة النبوية في كتاب الله قوله تعالى:

{كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} [إبراهيم:1]

فحَكم الله تعالى على كل البشرية قبيل مبعثه صلى الله عليه وسلم بأنها في"ظلمات"وأن التنوير الذي تحتاجه هو"نور الوحي"كما يقول تعالى في موضع آخر:

{هُوَ الَّذِي يُنزلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ} [الحديد:9]

وأكد تعالى في موضع آخر أن التوير الحقيقي هو نور الوحي كما قال تعالى:

{يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ بِإِذْنِهِ} [المائدة:16]

وسيبقى من أعرض عن هذا الوحي مرتكسًا في ظلماته مهما أوتي من العلوم المدنية, كما قال تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت