فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 159

{وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ} [الأنعام:39]

والى هذا التنوير المستمد من الوحي أشار الامام ابن تيمية في قوله:

(وعند المسلمين من"العلوم الإلهية"الموروثة عن خاتم المرسلين ماملأ العالم نورا وهدى) الفتاوى 2/ 84

فتأمل في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم السابقة كيف نفخ في أصحابه الشموخ بـ"العلوم الإلهية"فوق المدنيات الصغيرة بالنسبة لجلال المعرفة الإلهية, ونبه أصحابه إلى التنوير الحقيقي وهو نور الوحي, وربى أصحابه على أن تلك المجتمعات المتمدنة يحتاجونكم أضعاف ما تحتاجونهم, فهم إنما يملكون الوسائل وأنتم تعرفون الغايات, وشتان بين منزلة الوسيلة والغاية.

بل إن من طالع موسوعة"المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام"للمؤرخ العراقي الشهير جواد علي (1987 م) والتي صنفها في زهاء عشرة مجلدات, ورأى ما كان في الجزيرة العربية من ألوان الآداب والفنون والحكمة العقلية ثم قارنها بتقييم القرآن لهذه"الحالة العربية"قبل البعثة فسيعلم يقينًا منزلة مظاهر الدنيا وعلومها وفنونها ومدنيتها في ميزان الله, فمع كل ما كشفته تلك الموسوعة التاريخية المذهلة من إبداع عقلي وأدبي عند العرب فإن الله سبحانه وتعالى يصف الواقع العربي بالضلال المبين كما يقول تعالى:

{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [الجمعة:2]

يصفهم بذلك برغم أن فيهم الأدباء والشعراء والخطباء والفروسية وأخلاقيات المروءة وكرم الضيافة, بل كان فيهم حكماء تناقل الناس حكمتهم إلى يومنا هذا كقس بن ساعدة وأكثم بن صيفي وغيرهم.

بل إن ما يراه العرب قامة الإبداع الفني وصاحب أهم الروائع الأدبية يصفه صلى الله عليه وسلم بقوله:

«امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار» خرجه أحمد من حديث أبي هريرة.

وهذا الانتقاص والاستعلاء الشرعي على المنجزات الحضارية والفنية قبيل مبعثه صلى الله عليه وسلم ليس ذمًا لتلك المنجزات لذاتها, وإنما لأن أصحابها لم يتزكوا ويتنوروا بالوحي والعلوم الإلهية, فلم يصلوا إلى الرقي والسمو الحقيقي وهو مرتبة العبودية, وإنما بقوا في حضيض المنافسة الدنيوية.

فيالله العجب .. ما أتفه علوم الدنيا وقوتها في ميزان الله سبحانه وتعالى بالنسبة لمضامين الوحي.

والحقيقة أن هذا الموقف النبوي من أدق ما يبين أن الانتفاع بما لدى الغير لا يقتضي الانبهار بهم, وأن الذم لواقعهم لا يتعارض مع الاستفادة من الحكمة التي هي ضالة المؤمن, وسنحاول إيضاح ذلك في فقرة لاحقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت