والمقصود هاهنا أن من تأمل هذا الموضع ونظائره انكشف له منهج التعامل الذي يحبه الله ويريده من المسلم إزاء الحضارات الأخرى, وهذا المنهج بكل اختصار هو: أن ينتفع بما لديها مما يعزز غايته كما انتفع النبي وأصحابه, لكن لا يقع في تعظيمها والانبهار بها مع ضلالها عن الإسلام بل يعي تخلفها وانحطاطها وظلاميتها كما وعى ذلك النبي وأصحابه, وحاجتها للتنوير الحقيقي الذي لا يكون إلا بانشراح الصدر بهذا الإسلام كما قال تعالى:
{أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ للإسلام فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} [الزمر:22]
بل إنه لاتخلو أمة من الأمم التي بعث الله إليها رسله من الإبداع الدنيوي في أحد فنون المدنية, ومع ذلك كله فقد بعث الله الأنبياء ليخرجوهم من الظلمات إلى النور, والقارئ للحظات النبوات في القرآن يشاهد دومًا كيف أن القرآن يصور الأمم بأنهم في الضلال والظلمات والانحطاط برغم قوتهم وإمكانياتهم ومظاهر المادية التي بيدهم, ويؤكد أنبياؤهم لهم حاجتهم إلى أنوار الوحي.
ومن دقق النظر في لحظات ومشاهد بعث الرسل والأنبياء إلى الأمم فإنه سيتضح له لازم خطير يلزم الرؤية التي أخذ بها غلاة الخطاب المدني, فإذا كانت"المدنية المادية"هي الأولوية الراقية فإن هذا يلزم عليه أن الله سبحانه وتعالى أرسل الرسل والأنبياء بالقضايا الهامشية والثانوية ولم يرسلهم بالشؤون العظيمة! فأي إزراء بالرسل أكثر من ذلك؟!
والواقع أنه إذا كان أحكم الحاكمين إنما اصطفى هؤلاء الرسل والأنبياء وفضلهم على العالمين وجعلهم نماذج السمو والشرف فوق الإنسانية جمعاء فإن هذا يقتضي أنه أرسلهم بأهم المطالب, وأن أهم المطالب إنما تستخلص من مشروعاتهم التغييرية.
وهذا اللازم الخطير يتفاوت غلاة المدنية في موقفهم تجاهه, فبعضهم لايتفطن له أصلًا, وهذا كثير في من يطلق أقوالًا لايتفطن للوازمها, وقد أشار المحققون إلى كثير من ذلك, كما قال الإمام ابن تيمية:
(الشعور مراتب, وقد يشعر الإنسان بالشيء ولا يشعر بغالب لوازمه, ثم قد يشعر ببعض اللوازم دون بعض) درء التعارض 10/ 121
وبعضهم قد يتفطن لهذا اللازم لكنه يتأوله ويحاول أن يجد له المخارج, كما قال الإمام ابن تيمية:
(يجوز أن يلزم قوله لوازم لا يتفطن للزومها, ولو تفطن لكان إما أن يلتزمها, أو لا يلتزمها بل يرجع عن الملزوم, أو لا يرجع عنه ويعتقد أنها غير لوازم) الفتاوى 35/ 288
فبعضهم إذا تفطن لهذا اللازم يتأوله فيقول إن الأنبياء"حالة خاصة"لايجوز القياس عليها, أو أن الأنبياء مسددون من الله بخلافنا نحن, أو أن الأنبياء لهم ظروفهم التاريخية ونحو هذه التسويغات, فهذا يسد باب