{وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ} [الزخرف:51]
ولاينقضي العجب من عمق فهم نبي الله موسى وملاحظته كيف فتنت الحضارة الفرعونية وقوتها المدنية الناس, وكيف صرفتهم عن الاستسلام للوحي تلك المقاييس المادية المركوزة في النفوس البشرية, فيعبر كليم الله موسى عن هذا القانون التاريخي لأعظم تحدٍّ يواجه الدعوات كما في قوله تعالى:
{وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ} [يونس:88]
وحين أرسل الله موسى إلى المجتمع المصري المتقدم لم يقل له أيقظ قومك ليستفيدوا من الحضارة المصرية, بل أرسله لينورهم بالوحي من ظلمات حضارتهم, كما قال تعالى:
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ} [إبراهيم:5]
بل إن الله سبحانه وتعالى -طبقًا لميزانه سبحانه- فضل بني اسرائيل بما معهم من العلوم الإلهية على الفراعنة بما معهم من الحضارة, كما قال تعالى:
{ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلنهم على العالمين} [الجاثية:16]
فاذا تأمل القارئ هذا الموضع وكيف كان سبب تفضيل بني إسرائيل أنوار النبوة والكتاب, وكيف لم تفلح حضارة الفراعنة في إخراجهم من الظلمات, استبان له"الميزان الإلهي"لتقييم المجتمعات والثقافات والشخصيات والحضارات والمدنيات, وميزان المسلم تبع لميزان الله جل وعلا.
ولم يكن الحال جديدًا بالنسبة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقد كان الجاحدون لنبوته والوحي الذي معه يتعلقون في الإعراض عنه بضعفه المادي, وأنه لا يتمتع بمظاهر القوة والرفاه كما يتمتع بها بعض اللامعين في منطقة الحجاز, ورأوا أنه لا يليق الخضوع لنبي إلا إن كان من أشراف الطبقة الارستقراطية في عاصمتي الحجاز وهما مكة والطائف كما قال تعالى عنهم في سورة الزخرف:
{وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف:31]
يعنون بالرجلين الوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود الثقفي.
وبكل صراحة ووضوح واجهوه بأنه لا يملك"ثروة مادية"يستحق بها أن يتبعوه كما ساق تعالى احتجاجهم في سورة الفرقان بقولهم:
{أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ , أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَاكُلُ مِنْهَا} [الفرقان:8]
وبعد هذه الآية مباشرة يعقب سبحانه وتعالى على هذا الاحتجاج المادي الرخيص بكونه لايعجزه سبحانه ذلك ولكنه أراد اختبارهم وامتحانهم فقال سبحانه وتعالى:
{تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا} [الفرقان:10]