ولكن الله سبحانه وتعالى في موضع آخر من القرآن ينبه نبيه ويحذره أن لا يفتتن بتعلقهم بالماديات, ويعيد تذكير نبيه بالقانون التاريخي للدعوات وهو الصراع بين الوحي والمادة, وتحدي الإيمان للمظاهر المدنية, كما قال سبحانه في سورة هود:
{فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ} [هود:12]
بل ولقن الله سبحانه نبيه محمدًا أن يقول لقريش بكل صراحة ووضوح أنه لايملك القوة المادية والكنوز والخزائن التي هي معيارهم ومقياسهم, وإنما هو داعية إلى الوحي, كما قال تعالى لنبيه:
{قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ, وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ, وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ, إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ} [الأنعام:50]
فانظر كيف فتنوا عن اتباع النبي بكونه لايملك مظاهر مادية يستحق بها الخضوع, بل انظر ما هو أعجب من ذلك وهو أن يكون هذا هو جوهر الاختبار الإلهي لهم وهو الانخلاع من التعلق بالماديات والانصياع للوحي, ولذلك نبه الله نبيه ألا يضيق صدره ببعض الوحي نتيجة كونه لا يملك المظاهر المادية التي هي معيارهم في الانقياد, وأن الله سبحانه لن يجيبهم إلى ما طلبوا فيما وضعوه من مقاييس مادية للاتباع, فإما أن يختاروا طريق الوحي أو طريق المادة!
والحقيقة أن النبي صلى الله عليه وسلم لو كان يتربع على عرش القوة والإمكانيات لما تخلف من خصومه أحد, لا للحق الأخروي الذي معه ولكن للقوة الدنيوية التي بيديه, وأي معنى لاختبار وامتحان وابتلاء في اتباع القوي المسيطر؟
ولذلك لما كان نبي الله سليمان عليه السلام"ملكًا"في الأرض بيده كل أدوات النفوذ لم يتخلف عن الإيمان به أحد لا من الجن ولا من الانس بل كانوا طوع إشارته وأمره, ولذلك لما تلكأت بلقيس ملكة سبأ في الخضوع وأرادت أن تصانعه بالهدايا الضخمة في قولها:
{وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} [النمل:35]
هددها نبي الله سليمان بتسيير ألوية الجيوش الجرارة كما يقول عليه السلام:
{ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَاتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُم بِهَا} [النمل:37]
فجاءته وقد خلبتها الدهشة من روعة المنشآت الزجاجية التي رأتها فاستسلمت لنبي الله كما يحكي الله سبحانه وتعالى:
{قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل:44]