فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 159

وقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم إذا غاب عن المدينة إما لجهاد أو حج ونحوه فإنه يستخلف على المدينة, كما استخلف ابن أم مكتوم وعلى بن أبى طالب وغيرهم, وهذا بسبب غيابه, فإذا حضر صلى الله عليه وسلم زال وصف الخلافة عن خليفته لزوال سببها وهو الغياب.

بل إن النصوص الشرعية أثبتت عكس المعنى المرجوح تمامًا, فأثبتت أن الله سبحانه وتعالى هو الخليفة الذي يخلف الانسان في غيبته, لا أن الانسان هو الذي يخلف ربه, حيث روى الامام مسلم من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر قال:

(اللهم أنت الصاحب في السفر, والخليفة في الأهل) .

وهذا الفهم للآية يسنده تتبع الآيات الأخرى التي استخدمت مفهوم"الخليفة"إذ القرآن الذي هو كلام الله يفسر بعضه بعضًا, وكثيرًا ماتكون الدلالات المجملة في موضع معين تكشفها الدلالات المبينة في موضع آخر, وهذا المعنى وهو كون"جنس الآدميين يخلف بعضهم بعضًا"مبثوث شائع في كتاب الله في مواضع كثيرة منها قوله تعالى:

{عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 129] .

فكانت هذه الخلافة بعد هلاك من قبلهم, ومثل هذا المعنى قوله تعالى:

(فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلائِفَ)

والمتأمل في جمهور آيات"خلافة الانسان"يجدها تشير الى معنى"البعدية"أو التعاقب, بحيث أن هذه الخلافة كانت بعد من سبق من الناس, فهي تشير الى تداول الخلافة بين بني آدم لا الخلافة عن الله, وسنشير الى بعض نماذج الآيات التي دلت على مفهوم"تداول الخلافة"والتعاقب عليها, فمن ذلك قوله تعالى:

{ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ} [يونس: 14] .

ومثله قوله تعالى:

{فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} [مريم: 59] .

ومثله قوله سبحانه وتعالى:

(وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ

ومثله قوله سبحانه:

وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت