فهذه الآيات كلها تشير الى معنى البعدية الدال على مفهوم التعاقب.
وكذلك قال سبحانه وتعالى:
{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأرْضِ} [الأنعام: 165]
وقال سبحانه وتعالى:
{وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ} [النمل: 62] .
فهذه الشواهد المبينة من الوحي تكشف الدلالة المجملة في قوله تعالى"إني جاعل في الأرض خليفة"وأن المراد تداول الخلافة والتعاقب عليها بين جنس الآدميين, لا الخلافة عن الله سبحانه وتعالى.
ثم إن مما يؤكد أن معنى"خليفة"هاهنا كان الالتفات فيه الى جنس الآدميين وليس مجرد آدم عليه السلام, أنه لو كان المراد"آدم"لما صح أن تقول الملائكة:
{قالوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [البقرة: 30]
ذلك أن آدم عليه السلام ليس بمفسد في الأرض ولايسفك الدماء, فتبين أنهم عنوا جنس الآدميين.
والحقيقة أن من أكثر ماشوش على بعض متأخري المفسرين في فهم دلالة"خليفة"هو ورودها بصيغة المفرد, بينما الخلائف بصيغة الجمع, والواقع أن اللفظ المفرد إذا كان"اسم جنس"فإنه يكثر اطلاقه في كلام العرب مع أن المراد به الجمع, وهو نمط أسلوبي مطروق استعمله القرآن في غير موضع.
ومن ذلك أن الله تعالى لما ذكر نعيم الجنة قال سبحانه"في جنات ونهر"فذكر النهر بصيغة الاسم المفرد مع أن المراد به الجمع, فلايجوز الاستدلال بهذه الآية مثلًا على أنه ليس في القرآن الا نهر واحد, وذلك لقوله تعالى (فيها أنهار من ماء غير آسن)
2 -أنه على التسليم بصحة القول المرجوح الذي اختاره بعض متأخري المفسرين وهو أن معنى"خليفة"هاهنا أي"خليفة عن الله"فإن هؤلاء المفسرين الذين مالوا الى هذا القول المرجوح لم يجعلوا مضمون هذه الخلافة هي عمارة الأرض ماديًا, بل جعلوا مضمون هذه الخلافة"إقامة دين الله"كما قال البغوي مثلًا:
(والصحيح أنه خليفة الله في أرضه: لإقامة أحكامه وتنفيذ قضاياه)
والخلافة في تنفيذ أوامر الله واقامة أحكامه مؤداها أن معنى الخلافة هاهنا آل إلى معنى العمارة الايمانية, لامعنى العمارة المادية, فلاجديد في هذه الدلالة.
وبكل اختصار فان احتمالات الدلالة في هذه الآية ثلاث دلالات -وليعذرنا القارئ على الدخول في تفصيلات فنية اضطررنا اليها بسبب كثرة استدلال غلاة المدنية بهذه الآية- وهذه الدلالات الثلاث هي: