إما أن يكون"خليفة"على وزن فعيلة بمعنى مفعول, أي مخلوف, فيكون جنس بني آدم يخلف بعضهم بعضًا, وهذا هو الفهم الراجح لللآية.
وإما أن يكون"خليفة"على وزن فعيلة بمعنى فاعل, أي خالف لمن قبله, فيكون آدم قد خلف خلقًا سكنوا الأرض قبله, كما ذهب اليه طائفة من السلف.
أو يكون خليفة عن الله أي نائبًا عنه في إقامة حكم الله.
فعلى كل هذه الاحتمالات الثلاث لللآية -راجحها ومرجوحها-فإنها لاتدل على ماركبه عليها غلاة المدنية من دلالات حول مركزية العمارة المادية وغائية الحضارة وكونها جوهر وظيفة الانسان.
3 -أما الاستدلال بهذه الآية على"تكريم جنس الانسان"باعتباره خليفة الله بغض النظر عن هويته الدينية وعبوديته, فهذه مصادمة لمعطيات الوحي.
فإن خلافة الانسان -سواء كان المعنى خلافة الآدميين بعضهم أم خلافة الانسان عن الله- ليس لها الشرف المطلق كما يتصور غلاة المدنية, بل شرفها ورفعتها مرتبط بتحقيق العبودية, فأما إذا أعرض الانسان عن الوحي فانه يسلب شرف هذه الخلافة, ولذلك قال تعالى مبينًا دور الاعراض عن الوحي في سلب شرف الخلافة:
{هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلا مَقْتًا وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلا خَسَارًا}
وذكر الله سبحانه شيئًا من أخبار التاريخ وكيف كان سبحانه يسلب الأمة شرف الخلافة في الأرض اذا أعرضت عن النبوات والوحي, ويمنحه أمة أخرى كما قال تعالى:
{وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ, ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}
فبينت هذه الآية جوهر وظيفة الاستخلاف وهي الابتلاء بالايمان والعمل الصالح واتباع الرسل بعد ما سلب الله الأمم السابقة ذلك بسبب اعراضها, وهذا المعنى حول وظيفة الاستخلاف بينته آيات أخرى أيضًا كما قال تعالى:
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ)
ولذلك فان الأمة التي تحقق العبودية هي الأمة التي استوعبت معنى الاستخلاف وخلافة الانسان, كما قال تعالى: