فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 159

لامدرسة تساهل, بل إن المعتزلة أشرف بكثير من الخطاب الفرانكفوني المعاصر الذي يحاول الوصول إلى تناقضات داخلية في التراث الإسلامي بهدف تحييد الوحي جملةً عن الحياة العامة.

في تقديري أن النواة الخفية التي انطلقت منها كل هذه التحولات الجذرية والحادة في المواقف والرؤى هي"المغالاة في قيمة المدنية والحضارة", فالغلو في الحضارة والمدنية الدنيوية وتحويلها إلى القضية الأولوية وغاية الغايات هو الجذر الرئيسي التي ابتدأت منه كل هذه الانقلابات المفاهيمية, بمعنى أن النموذج التفسيري الذي يقدم إجابة دقيقة حول تطبيقات هذه الظاهرة هو ما يمكن تسميته"غائية الحضارة"و"مركزية المدنية".

فيمكن القول بكل اختصار أن"الغلو المدني"ينبوع الانحراف الثقافي, حيث يستتبع التحييد العملي للوحي لأنه لايدفع باتجاه المدنية الدنيوية ويتعارض مع كثير من منتجاتها, ويورث الاستخفاف بالتراث الإسلامي لتضمنه جهاز مفاهيمي شرعي يزهد في الدنيا ويربط الإنسان بالآخرة, ويثمر لدى الشاب تعظيمًا نفسيًا للثقافة الغربية الحديثة لتفوقها المدني على غيرها من الأمم المعاصرة, فيصبح مأخوذًا بعرض منجزاتها, ويتضايق من عرض ثغرات الثقافة الغربية ويميل لتفهمها وإعطائها معنى إيجابيا أو محايدًا على الأقل وتسويغها في جنب محاسنها, ويبدأ الشاب في الابتعاد التدريجي عن العاملين للإسلام لانهماكهم بالدعوة بما تتضمنه من تعميق الإيمان في الناس والتفقه في معاني الوحي, ويصبح أساس العلاقة مع الآخر ليس مبنيًا على"أساس ديني"بحيث يوالى الآخر بقدر ما فيه من موالاة الوحي والقرون المفضلة, وينافى بقدر مافيه من منافاة الوحي والقرون المفضلة, بل يصبح أساس الولاء تجاه الآخر"أساسًا مدنيًا"مبنيًا على مقدار السعي المشترك لعمارة الدنيا بغض النظر عن حجم الانتهاكات لحمى الشريعة والفضيلة, فيغتفر لصاحب المنجز المدني -سواءً كان مؤلفًا أم اتجاهًا فكريًا أم مجتمعًا معاصرًا- كل انحرافاته الدينية وتتفهم في بحر حسناته المدنية, بينما ينظر بعين الامتهان إلى صاحب المنجز الشرعي -سواءً كان مؤلفًا أم اتجاهًا فكريًا أم مجتمعًا معاصرًا- مادام أنه غارق في القصور المدني.

وحاول أن تتأمل في لوحة العزوف الدعوي الحزينة المعاصرة, وتتبع خيوط الارتباك الفكري الذي أصاب بعضًا من شباب المجتمع المسلم اليوم, وسترى أن تلك الخيوط جميعًا تلتقي عند عقدة"المغالاة في قيمة المدنية والحضارة"فتصدر عنها وترتد إليها.

وسرح طرفك حيث شئت في الأطياف الفكرية التي تعج بها الحياة الحديثة وسترى أن الميسم الذي منح هذه الأطياف جميعًا ألوانها المتباينة هو"الموقف من الحضارة", فأخبرني ماهي الدرجة التي تحتلها"قيمة الحضارة المدنية"في سلم القيم عندك أخبرك أين تقع على خريطة الجبهات الفكرية المعاصرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت