فنحن إذا تتبعنا تطبيقات هذا الخطاب الجديد ومواقفه وآراءه وصيغ علاقاته وإحداثيات مواقعه التي اختارها على الخريطة الفكرية فسنتوصل حتمًا -كما سبقت الإشارة لذلك- إلى أن القيمة المركزية التي تسيطر عليه وتجعله يدعم موقفًا ما أو يعارضه, أو يثمن قضية ما أو يحط منها, فسنجدها بكل تأكيد"مركزية المدنية", وبناءً على مركزية المدنية فقد تحددت صيغ العلاقات مع المجتمع والتراث والغرب والدولة العربية الحديثة على أساس القرب والبعد من"التمدن المادي".
فبمجرد أن يتشرب الشاب المسلم فكرة الغلو في قيمة المدنية والحضارة والعمارة والنهضة المادية فإن هرم الأولويات وخريطة القيم تنقلب عنده رأسًا على عقب, فمن يرى أن الأولوية والقيمة المركزية في سلم القيم هي"تشييد المدنية الدنيوية"فإن الثقافة الغربية في ميزانه ستكون النموذج المتفوق, بينما سيكون عصر القرون المفضلة والحركة الإسلامية المعاصرة نموذج الإخفاق والفشل الذي يجب الاعتذار عنه.
أما من يرى أن الأولوية والقيمة المركزية في سلم القيم هي"التزكية"وتشييد المستقبل الأخروي وأن المدنية الدنيوية مجرد وسيلة, فإن التراث الإسلامي ومن بعده الحركة الإسلامية سيكونان نموذج الفرادة والتميز, بينما ستكون الثقافة الغربية نموذج الانحطاط والتخلف.