وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم أكد هذه الأمارة التي ذكرتها الآية فقال صلى الله عليه وسلم:
(فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم)
وذكر ذلك النبي صلى الله عليه في سياق آخر كما روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:
«ما من نبي بعثه الله تعالى في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف: يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون مالا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل»
والمقصود من هذا كله أن الباحث العاقل المنصف المتجرد إذا تأمل نصوص الوحي الإلهي ورأى أن الشارع اعتبر خيانة الأمانة وفجور الخصومة وترك تحديث النفس بالجهاد وبغض الأنصار والارتياب في وعد الله ونحوها كلها من"شعب النفاق"فإنه لايشك طرفة عين أن التبرم بمرجعية الوحي, والإزراء بفهم القرون المفضلة, واللهج بتعظيم الكفار, وربط القرآن بالأساطير السابقة للإسلام, واعتبار الشريعة والسلف قد اعتقلانا, أنها كلها شعب من النفاق أشد وأبشع, ولا موقع للمجاملة في مثل هذه القضايا.
وبعض الناس يرى أن هذا فيه شيء من المبالغة, والحقيقة أن ما سبق من الآيات يكشف أن ما ذكرنا دون ما جاءت به الآيات أصلًا, ومع ذلك سأضرب لذلك مثلًا أتمنى أن يوضح الصورة أكثر: إذا كان مجرد"الجهر بالصوت"عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يتصادم مع توقيره بما يصل إلى"حبوط العمل"كله كما قال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَاتشعرون}
فكيف سيكون شأن من ينقر ويقمش ويجمع ساقط المرويات ليهز ثقة القارئ في القرآن والسنة؟