وقدم الإمام ابن تيمية ضمن مناقشته لهذه الفلسفة تحليلًا للأساسات الداخلية لهذه الفكرة, حيث يقول في درء التعارض:
(وضلالهم من وجوه: منها ظنهم أن الكمال في مجرد العلم, والثاني: ظنهم أن ما حصل لهم علم, والثالث: ظنهم أن ذلك العلم هو الذي يكمل النفس, وكل من هذه المقدمات كاذبة)
ثم أخذ في تفاصيل ذلك, والذي يعنينا الاشارة اليه هنا أنه نتيجةً لهذه الرؤية الضمنية في بنية خطاب غلاة المدنية فقد تراجعت قيمة العبودية وسلوكيات الفضيلة والعفة, ويشير الإمام ابن تيمية لذلك في الصفدية بقوله:
(فنفس عبادة الله وحده ومحبته وتعظيمه هو من أعظم كمال النفس وسعادتها, لا أن سعادتها في مجرد العلم الخالي عن حب وعبادة وتأله)
وعلى أية حال فإن منزلتي"النظر والعمل"كلاهما مطلبان شرعيان نبهت عليهما فاتحة الكتاب, ولم تأت الشريعة بذم أصلهما, ولكنها جاءت بتهذيبهما وتكميلهما, وتبيين مراتبهما, وإنما يقدم النظر مطلقًا جمهور الفلاسفة, ويقدم العمل مطلقًا جمهور الصوفية, وكلاهما لون من الانحراف, ولذلك قال الإمام ابن تيمية:
(وكل واحد من طريقي النظر والتجرد: طريق فيه منفعة عظيمة وفائدة جسيمة, بل كل منهما واجب لا بد منه, ولا تتم السعادة إلا به, والقرآن كله يدعو إلى النظر والاعتبار والتفكر, وإلى التزكية والزهد والعبادة, وقد ذكر القرآن صلاح القوة النظرية العلمية, والقوة الإرادية العملية, في غير موضع, كقوله تعالى {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله} فالهدى كمال العلم, ودين الحق كمال العمل, وكقوله سبحانه أيضًا {أولي الأيدي والأبصار} ) الفتاوى 2/ 59
وهاهنا ملحظ طريف جدًا من دقائق الحكمة الشرعية المتعاضدة مع الحكمة الكونية, ذلك أن الله سبحانه وتعالى قد ابتلى كل طائفة من عباده من جنس غريزتها وهواها المركوز فيها, فاختبرها الله شرعًا بما يوافق واقعها كونًا, فمن حباه الله بالقدرات العقلية الباذخة ابتلاه سبحانه وامتحنه بالاستسلام والانقياد والخضوع للوحي والعمل بما فيه إذ العمل شاق على أمثال هذه النفوس.
ومن آتاه الله قوة الإرادة اختبره الله سبحانه وتعالى باتباع البرهان والحجة وعدم المغالاة في الرهبنة تحقيقًا للذة روحية غريزية, إذ حبس النفس عن الاسترسال في الروحانيات فوق ما أمر الله شاق على أمثال هذه النفوس.