فابتلى الله الأذكياء وأصحاب العقول بحمل النفس إلى العبودية, وابتلى الله الروحانيين وأصحاب العبادة بحبس التعبد على هدي محمد صلى الله عليه وسلم واقتصاده وسنته, وقد نبهت على ذلك خاتمة الفاتحة بمثالي"المغضوب عليهم"و"الضالين"ودلت عليهما أبلغ دلالة على طريق ضرب المثل.
ومن تأمل هذه الإشكالية الفلسفية, واتجاهات الناس فيها نظريًا وعمليًا, انكشف له سر ذلك الزهد العميق لدى غلاة المدنية في قيمة"التفقه في الوحي", في مقابل الشغف والتفاني في الاطلاع على"العلوم المدنية"وتعظيم صاحبها, بل جعل فقه الشريعة أدنى المراتب باعتباره لا يدرس أمورًا معقولة ولا مدنية, وإنما قصاراه أن يدرس تفاصيل الأمور العملية, كما قال الإمام ابن تيمية في الصفدية:
(وأما العلم النظري فجعلوه هو الغاية, بناء على أن كمال النفس في العلم, فرأوا"الفقه"هو العلم العملي, فجعلوه أدنى المراتب)
وقد كشف لنا القرآن عن هذه النزوة البشرية, ونبهنا إلى أن ننظر إلى العلوم الإلهية باعتبارها أعظم من كل ما على الأرض من العلوم والمظاهر المدنية, بل ونبه ربنا على مقام"الفرح والاغتباط بالقرآن"كما في قوله تعالى في سورة يونس:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ, وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ, وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ, قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ, فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا, هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}
فجعل هذا"القرآن"من أعظم الممتلكات التي تستدعي الفرحة والسرور, كما قال ربنا تمامًا في هذه الآية"فبذلك فليفرحوا".
وقد لاحظ القارئ الأول"أبي بن كعب"رضي الله هذا المعنى العظيم الذي تضمنته هذه الآية, فحين روى أبي بن كعب للتابعين قصته المعروفة التي جاء فيها أن الله سبحانه أمر نبيه محمدًا أن يقرأ على أبي بن كعب سورة بعينها من القرآن, سأله التابعي الجليل عبدالرحمن بن أبزى قائلًا: (يا أبا المنذر، فَفَرحت بذلك؟) فقال أبي بن كعب: (وما يمنعني عن ذلك والله سبحانه يقول:"قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) كما خرجه أحمد في مسنده عنه."
ولذلك ذكر العلامة الراغب الأصفهاني أنه لم يرخّص في الفرح إلاّ في هذه الآية في سورة يونس!
وفي كثير من المواضع في القرآن يقارن تعالى بين قيمة الوحي وقيمة الممتلكات الدنيوية, وينبه المؤمنين بهذا الوحي إلى مضامينه أعظم مما يرونه من المظاهر الدنيوية كقوله تعالى:
(وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ, لاتَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ)
وسننتقل إلى إشكاليتين وثيقتي الصلة بتعظيم الذهنيات وهما التعليل المادي للشريعة والانفعال الوجداني بالوحي, وسنعالجهما في الفقرتين اللاحقتين.