بسبب سماوي أو باستهلاك المشتري له على سبيل الاستعمال والانتفاع المشروع، لا الإتلاف، وذلك بأكل الطعام ولبس الثوب حتى يتخرق، وفي هذا النوع خلافٌ بين أبي حنيفة وصاحبيه، واعتباره في موانع الرد دون الأرش هو مذهب الصَّاحبين ومالك وأحمد؛ لأنَّ المشتري صنع بالمبيع ما يقصد بشرائه، ويعتاد يفعل فيه من الأكل واللبس حتى انتهى الملك به، ولأبي حنيفة أنَّه أتلفه بفعل مضمون منه لو وجد في غير ملكه، وقد انتفى الضمان لملكه، فكان كالمستفيد به عوضًا، وإن اقتصر الاستهلاكُ على بعضه، فعند الصاحبين يرجع بنقصان الثَّمن في الأكل، وفي روايةٍ ثانية يرد ما بَقِيَ ويرجع بنقصان ما أكل. [1]
جاء في"اللباب": ومن اشترى عبدًا فأعتقه، أو مات ثُمَّ اطلع على عيب، رجع بنقصانه، أمَّا الموت، فلأنَّ الملك ينتهي به والامتناع منه حكمي لا بفعله، وأمَّا الإعتاق فالقياس فيه ألاَّ يرجع؛ لأنَّ الامتناعَ بفعله فصار كالقتل، وفي الاستحسان يرجع؛ لأنَّ العتق انتهاء الملك فكان كالموت، وهذا لأن الشيء يتقرر بانتهائه، فيجعل كأنَّ الملك باقٍ والرد متعذر، فإن قتل المشتري العبد المشتَرَى، أو كان طعامًا فأكله، أو ثوبًا فلبسه حتى تخرق، ثُمَّ اطلع على عيب لم يرجع بشيء عند أبي حنيفة؛ لتعذر الرد بفعل المضمون منه في المبيع، فأشبه البيع والقتل، وقال أبو يوسف ومحمد: يرجع استحسانًا. [2]
قال ابن جزي: من مسقطات الخيار فواتُ المبيع بالموت أو العتق، أو ذهاب عينه كالتلف، وكذلك بيعه على المشهور. [3]
قلت (الباحث) : قوله:"وكذلك بيعه على المشهور"؛ أي: في مشهور المذهب، وهذا القول له تفصيل؛ إذْ لو رَدَّ المشتري الثاني المبيع المعيب للمشتري الأول، كان له الرد على البائع الأول؛ لأَنَّ له الضمان، ولدفع الضرر.
وقال الشافعية: ولو هلك المبيع عند المشتري أو أعتقه ثُمَّ علم العيب، رجع
(1) انظر:"بدائع الصنائع"، (5/ 283، 289، 290) ، و"الهداية"، و"فتح القدير"، و"شرح العناية"، (5/ 269، 270) ، و"اللباب والكتاب"، (1/ 240) ، و"الموسوعة الفقهية"، (20/ 138، 139) .
(2) "اللباب"، (1/ 240) .
(3) "القوانين الفقهية"، ص 292، و"أسهل المدارك"، (20/ 289) .