ذلك في زمن يسير، ومن غير إضرار بالمشتري.
وتدارُك العيب بزمن يسير يَمنع الخيار، وذلك فيما لو بِيعت أرض وفي المبيع بذر تعهد البائعُ بتركه، أو الفراغ منه في زمن يسير، لا يتخير المشتري. [1]
قال المالكية: يسقط خيار العيب بزوال العيب، فإنَّ زوالَ العيب مانع من الرد؛ قال ابن القاسم: مَنِ اشترى عبدًا عليه دين فطلب المشتري رده بذلك، فقال البائع: أنا أؤدِّي عنه دينَه، أو وهبه له رب الدين، فلا يكون للمشتري رده، وإن كانت أمَة بعينها بياض، فأراد ردها فذهب البياض قبل ردها، قال مالك: إذا ذهب العيب، لم يكن له رد. [2]
وقال الشيرازي: فإن زال العيب قبل الرد، ففيه وجهان: أحدهما: يسقط الخيار؛ لأنَّ الخيار ثبت لدفع الضرر، وقد زال الضرر.
والثاني: لا يسقط؛ لأنَّ الخيار ثبت بوجود العيب، فلا يسقط من غير رضاه. [3]
الباحث: وعلى حسب قاعدة"لا ضرر ولا ضرار"يترجح الأول القائل بسقوط الخيار؛ إذ قد زال العيب في زمنٍ يسير، وثبوت الخيار في هذه الحالة تعسُّف بالبائع، أمَّا إن لم يزُلِ العيب في فترة يسيرة بحيث أضرَّ بالمشتري، حينها يثبت الخيار، والله أعلم.
جاء في المادة (345) من"مجلة الأحكام"وشرحها لسليم رستم:"لو حدث في المبيع عيب عند المشتري، سواء كان بفعل المشتري أم بفعل المبيع أم بآفة سماوية، ثُمَّ ظهر فيه عيب قديم، فليس للمشتري أن يرده بالعيب القديم، بل له المطالبة بنقصان الثمن فقط".
إنَّ العقد المبرم بين العاقدين يقوم على الالتزام بما ألزم به كلٌّ منهما نفسه من مبيع وثمن، بموجب العقد، ولذا كان حَقُّ الرد للمعيب مُقيدًا بألاَّ يقع ما يُخل بالالتزامات الموزعة في العقد، فإذا تعيب المبيع عند المشتري بعيب حادث، سواء كان بفعل المشتري أم بآفة سماوية أم بفعل المعقود عليه إن كان ذا حياة، فإنَّ الردَّ للمعيب - وهو الموجب الأصلي - يمتنع، وينتقل إلى الموجب الخلفي، وهو الرجوع بالنقصان؛ لأنَّ شرط الرد أن يكون المردود عند الرد على الصِّفَة التي كان عليها عند القبض، ولم يوجد؛ لأنَّه خرج عن ملك البائع مَعيبًا بعيب واحد، ويَعود على ملكه مَعيبًا بعيبين، فانعدم شرط الرد فلا يرد، ولأن في الرد إضرارًا بالبائع وهو إخلال بطبيعة العقد، ولأنَّ المبيع خرج عن ملكه سالِمًا من العيب الحادث، فلو ألزم به معيبًا تضرر، ولأنَّه إذا كان يضمن العيب القديم لا يضمن الحادث؛ لوقوعه بعد القبض والمبيع بيد المشتري، فانعدم شرط الرد. [4]
وبما أنه لا بد من دفع الضرر عن المشتري لمقابلةِ الجزء الفائت الذي صار مُستحقًّا له بالعقد، فقد تعين الرجوع بالنقصان، ورد حصة الجزء الفائت بالثمن.
وقال المالكية: إن حدث عيبٌ آخر عند المشتري، فهو بالخيار إن شاء رَدَّه ورد أرش العيب الحادث عنده، وإن شاء تَمسَّك به، وأخذ أرشَ العيب القديم. [5]
وقال الحنابلة: وكل مبيع كان مَعيبًا ثُمَّ حدث به عند المشتري عيب آخر، قبل علمه بالأول، فعن أحمد - رحمه اللَّه - فيه روايتان، إحداهما: ليس له الرد وله أرش العيب القديم؛ لأنَّ الرد يثبت لإزالة الضرر، وفي الرد على البائع إضرار به، ولا يُزال الضرر بالضرر، والثانية: له الرد، ويرد أرش العيب الحادث عنده، ويأخذ الثمن، وإن شاء أمسكه، وله الأرش، وعند الشافعية ثلاثة أقوال: أحدها كالرواية الأولى للحنابلة. [6]
خامسًا: هلاك المبيع:
في هلاك المبيع بعد القبض في يد المشتري يَمنع الرد، ويجعل موجب الخيار الرجوع بنقصان الثمن، والمراد أنَّ هلاكَ المبيع بسبب سماوي (الموت) يَمتنع معه الموجب الأصلي الذي هو الرد؛ ليحلَّ مَحله الموجب الخلفي (نقصان الثمن) ، ويستوي في الهلاك أنْ يكونَ
(1) انظر:"الخيار وأثره في العقود"، (2/ 456) .
(2) "القوانين الفقهية"، ص 292، و"التاج والإكليل"، (6/ 54) ، و"أسهل المدارك"، (2/ 293) ، و"بداية المجتهد"، (2/ 275) .
(3) "المهذب"، ص 284.
(4) انظر:"بدائع الصنائع"، (5/ 283) ، و"الموسوعة الفقهية"، (20/ 142) ، و"اللباب والكتاب"، (1/ 239) .
(5) انظر:"القوانين الفقهية"، ص 292.
(6) انظر:"المغني"، (6/ 230، 231) ، و"مغني المحتاج"، (2/ 58، 59) .