الأولى: أن الذين قالوا بالتأويل لم يقولوا بأن الترجمة هي التي أرغمتهم على التأويل وإنما صرحوا جميعا بأنهم قالوا بالتأويل تنزيها لله عن اتصافه بأوصاف المخلوق في زعمهم.
فلا ينبغي الاعتذار عنهم إلا بما اعتذروا به عن أنفسهم ولا ينبغي أن يقوّلوا ما لم يقولوا.
ثم إن العذر الذي كانوا يذكرونه عن أنفسهم أقرب إلى القبول من هذا العذر الذي ذكر ولد الددو.
الثانية: أن هذا الاعتذار الذي ذكر ولد الددو لا يمكن قبوله لأن قضية الترجمة المطلوب فيها الترجمة الحرفية لظاهر النص وإثباته وعدم التعرض لكيفيته.
فلا فرق أن نثبت اليد أو الرجل أو الساق بالعربية أو أن نثبتها بلغاة أخرى.
وليس من المسلم أبدا قوله:
(فلا يمكن أن يقال لهم الوجه معلوم أو الاستواء معلوم أو اليدان فهم لا يعلمونه فهو ليس من لغتهم) إذ ما من لغة في العالم إلا وفيها تسمية اليد؛ ولكن يقال لكل قوم بلسانهم: يد ليست كيد البشر.
الثالثة:
أن تفويض السلف الذي كانوا يذكرون إنما هو تفويض في الكيفية لا في إثبات الخبر، أي أنهم يثبتون ظاهر الخبر ويؤمنون به ويفوضون حقيقة كيفيته إلى الله تعالى، وهذا هو معنى التفويض عندهم.
وقد أشار إلى ذلك العلامة بداه بن البصيري رحمة الله عليه في رسالته القيمة:
"تنبيه الخلف الحاضر على أن تفويض السلف لا ينافي الإجراء على الظاهر"
فقولهم: (أمرّوها) ليس شكا فيها وإنما هو للتحذير من التعرض للكيفية.
كقول مالك بن أنس لما سئل عن قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} كيف استوى فقال: الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وكذلك ربيعة قبله. فهم يثبتون الصفة ويفوضون في معرفة كيفيتها.