فإذا لم يكن المقصود بهذا هو الاختلاف في المعتقد فعلى أي خلاف يمكن إسقاطه إذن؟
وهذا التفريق بين العقائد والأحكام العملية في مشروعية الاختلاف هو الذي نص عليه أهل العلم
قال الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي في كتاب له في شرح حديث الفرق: «قد علم أصحاب المقالات أنه صلى الله عليه وسلم لم يُرِد بالفرق المذمومة: المختلفين في فروع الفقه من أبواب الحلال والحرام، وإنما قصد بالذم: من خالف أهل الحق في أصول التوحيد وفي تقدير الخير والشر، وفي شروط النبوة والرسالة وفي موالاة الصحابة، وما جرى مجرى هذه الأبواب. لأن المختلفين فيها قد كفَّر بعضهم بعضًا، بخلاف النوع الأول، فإنهم اختلفوا فيه من غير تكفير ولا تفسيق للمخالف فيه. فيرجع تأويل الحديث في افتراق الأمة إلى هذا النوع من الاختلاف» .
وقال الإمام القرطبي في تفسيره: «الافتراق المحذر منه في الآية والحديث، إنما هو في أصول الدين وقواعده. لأنه قد أطلق عليها مِللًا، وأخبر أن التمسك بشيء من تلك الملل موجبٌ لدخول النار. ومثل هذا لا يقال في الفروع، فإنه لا يوجب تعديل الملل ولا عذاب النار» .
ولقد كان السلف يرون الاختلاف في الأمور العملية سعة ورخصة والاختلاف في الأمور العقدية بدعة وضلالا.
وكانوا يعتقدون عقيدة واحدة لم يخالفهم فيها إلا أصحاب البدع وأهل الضلال.
وكانوا ينسبون كل مخالف لهم في المعتقد إما إلى البدعة وإما إلى الكفر ولا يرون مشروعية الاختلاف في المعتقد.
قال شيخ الاسلام ابن تيمية:
(قالوا لعبد الله بن المبارك بماذا نعرف ربنا قال بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه وهكذا قال سائر الأئمة كأحمد بن حنبل وإسحق ابن راهويه وعثمان بن سعيد والبخاري وغيرهم حتى قال محمد بن إسحق ابن خزيمة الملقب بإمام الأئمة من لم يقل إن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل كما ذكر ذلك عنه