فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 172

وقف وجهًا لوجه أمام العلم. بالرغم من هذا الكلام الجميل عن روح الدين وجوهره لم يتراجع الدين ولو مرة واحدة أمام العلم إلا بعد معركة ضارية، أو تحت الضغط المتزايد للثقافة العلمية الحديثة، أو تحت إلحاح الضرورات الحيوية للتكليف مع موجة العلمنة والتقدم التي تفرض نفسها على حياة المجتمعات في النهاية"."

لنا حول هذا الكلام"العظمي"نظرات، كل واحدة منها تحتاج مناقشة مستقلة.

(أ) ففي النظرة الأولى نلاحظ أن الناقد قد أطلق كلمة الدين وقصد كل ما يسمى بني الناس دينًا، حقًا كان أو باطلًا، وهذا الإطلاق التعميمي فيه مغالطة جدلية لا يفعلها من يحترم فكر نفسه، أو يحترم المنهج العلمي السليم لدى النقد والمناظرة، لأن الحكم الواحد لا يصح، يحكم به على مختلفات في الحقيقة لمجرد اشتراكها في الاسم العام اشتراكًا لفظيًا، فلا يصح أن يقول القائل: إن الإنسان أصفر الوجه قصير القامة بدليل أن بعض الناس كذلك، فالأحكام لا تعطي صيغة التعميم الشامل ما لم يثبت أن جميع الأفراد المختلفة في حقيقتها مشتركة فعلًا في هذا الحكم التعميمي.

فمغالطة (د. العظم) هنا قائمة على التعميم في الحكم مع اختلاف حقائق الأفراد التي يحكم عليها. وقد وضح لنا في مواضع كثيرة اعتماده على هذا العنصر من عناصر المغالطات.

أفعلى هذا المستوى يريد أن يوجه نقده العلمي؟

أفعلى هذا المستوى يريد أن يراجع المفاهيم الإسلامية مراجعة عصرية؟

إن هذا العمل بعيد كل البعد عن الروح العلمية النقدية، لو أنه كان صادقًا في طلب الحقيقة والبحث عنها.

(ب) وفي النظرة الثانية نلاحظ أن الناقد قد أطلق كلمة الدين وقصد بها التعاليم الدينية الأساسية، والتفسيرات الاجتهادية التي يقول أي إنسان منتسب إلى الدين، وإن كانت اجتهادات ظاهرة الفساد، وآخرون من علماء المسلمين يخالفونه فيها، وإن كانت مفاهيم باطلة لطوائف منحرفة عن الدين تقول أقوالًا شاذة مرفوضة.

وبعد هذا التعميم الباطل يطلق حكمه على الدين نفسه من خلال حكمه على هذه الآراء التي جانب أصحابها فيها وجه الصواب.

لو قبلنا هذا التعميم لكان علينا أن نقبل أي فهم يفهمه أي إنسان من نص قانوني، أو نص دستوري، أو نظام من الأنظمة، أو مذهب من المذاهب الإنسانية، ثم نجعل هذا الفهم جزءًا من القانون أو الدستور أو النظام أو المذهب، ثم نوجه إليها النقد على أساس هذا الفهم الخاطئ. لكننا نعلم أن هذا العمل مغالطة حقيرة لا تتفق مع أصول المنهج العلمي النقدي السليم، لذلك فإننا لا نفعله، لأن الإسلام يفرض علينا التزام الأمانة الفكرية، ويفرض علينا أن نحافظ على أخلاق البحث العلمي السليم، والمنهج النقدي الصحيح.

وشبابنا المسلمون يعرفون هذه الأخلاق ويلتزمونها، ويعرفون مداخل المغالطات فلا يتأثرون بها. وإذا شاء الملحدون أن يموتوا بغيظهم من ذلك فليفعلوا، ولتبقَ مغالطاتهم على أكف الرياح السافيات، مع الهشيم اليابس والقمامات.

(ج) وفي النظرة الثالثة نلاحظ أن البحوث العلمية المتطور يومًا بعد يوم هي التي تتطور متقدمة إلى الأمام، لتجد نفسها مقتربة من المفاهيم الكلية الكبرى التي قررها الإسلام في عقائده ومبادئه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت