الفصل: الأول
السياج الذي أقامه السلف لحماية الأمة ودور مصلحيها:
لقد تنبه السلف لخطورة هذا الأمر الذي يُفسد قلوب ناشئة المسلمين، فلهذا جعلوا بينهم وبينه سياجًا واقيًا استنبطوه من النصوص الشرعية، يتضمن النهي عن مخالطة أهل البدع والإنحراف والبعد عن شبهاتهم وإنتاجهم؛ خشية أن يعلق شيء منها بقلب ضعيف فيتأثر به ويتشربه، فأعادوا وأكثروا حول هذا الموضوع في مصنفاتهم ومروياتهم نصحًا لأبناء المسلمين، فلا تكاد تجد مؤلفًا في العقيدة السلفية إلا ويتضمن فصولًا أو أبوابًا في التحذير من أهل الزيغ والتنفير منهم ومن مسلكهم وإعراضهم عن الكتاب والسنة إلى زبالات البشر.
فمن ذلك: قول ابن عباس -رضي الله عنهما-:"لا تجالس أهل الأهواء؛ فإن مجالستهم ممرضة للقلب".
ومن ذلك: قول عمرو بن قيس الملائي:"كان يُقال: لا تجالس صاحب زيغ فيزيغ قلبك"
ومن ذلك: قول الإمام أحمد وقد ذُكر عنده أهل البدع:"لا أحب لأحد أن يجالسهم ولا يخالطهم ولا يأنس بهم، وكل من أحب الكلام لم يكن آخر أمره إلا إلى بدعة؛ لأن الكلام لا يدعو إلى خير، عليكم بالسنن والفقه الذي تنتفعون به، ودعوا الجدال وكلام أهل البدع والمراء"وذكر في مسنده -رحمه الله- حديث الدجال وقول النبي صلى الله عليه وسلم عنه:"من سمع بالدجال فلينأ عنه، فإن الرجل يأتيه وهو يحسب أنه مؤمن، فما يزال به بما معه من الشُبه حتى يتبعه"فقس هذا -رعاك الله- بحال من يجالس أهل البدع والزيغ ويتضلع من كتبهم مدعيًا أنه يثق بنفسه!! ساخرًا من تحذيرات أهل الإسلام.
فالسلف - رحمهم الله - نظروا إلى العلوم بهذه القسمة:
1 -العلم الشرعي النافع؛ وهو علم الكتاب والسنة وما تفرع عنهما. وهو ماوردت النصوص بمدحه ومدح أهله، وذكر أجره العظيم لمن خلصت نيته.
2 -العلم (الدنيوي) المباح النافع؛ كعلوم الزراعة والهندسة والصناعة ونحوها. وهذا العلم كلأ مباح لأهل الأرض كلهم، هم شركاء فيه، ومن بذل أسبابه حصله. كما قال تعالى {كلًا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك} .
3 -العلم الضار؛ وهو الذي لا نفع فيه في الدنيا ولا في الآخرة، بل سيكون وبالًا على صاحبه، وإن توهم البعض من المخدوعين خلاف ذلك؛ كالسحر والتنجيم وعلم الكلام والفلسفة ونحوها. ومثله في زماننا: الكتابات الفكرية المنابذة للنصوص الشرعية.