فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 172

ونجد هذا في أوائل متون العلوم التي كتبها المسلمون، إذ يقررون أن العلم هو الصورة الذهنية المطابقة للواقع، أو هو الإدراك المطابق للواقع، وإذ يقررون أن الصدق هو الكلام المطابق للواقع، وإذ يقرون جواز العلم بالاحتمال الراجح إذا لم يتوافر لنا اليقين.

ومن هذا يتبين لنا أن الواقع على ما هو عليه في حقيقة أمره هو المرجع الأول والأخير للمعرفة في الفكر الإسلامي، وما عدا ذلك مما له صلة باكتساب المعرفة فلا يعدو أنه من قبيل الوسائل التي قد توصل إليها.

وهذا من الأوليات المنطقية في الفكر الإسلامي، المبينة في متون العلوم الإسلامية، والمنصوص عليها في مصادر الشريعة الإسلامية، والمهتدى بهديها فيما استخرجه المسلمون من معارف، وفيما كتبوا فيه من علوم.

أما وسائل التي وضعها الإسلام في منهجه للوصول إلى المعارف فبيانها فيما يلي:

الوسيلة الأولى: هي وسيلة الإدراك الحسي المباشر أو عن طريق الأجهزة، وذلك متى شهد العقل بصحة هذا الإدراك وسلامته من الخلل، فحينما تشهد الحواس الإنسانية ظاهرة كونية وتتوافق الحواس السليمة في إدراكها، تغدو الصورة التي قدمتها صورة علمية مقبولة ضمن الحدود التي قدمتها، وضمن الصورة التي نقلتها.

وباستخدام هذه الوسيلة قرر المسلمون في علومهم حقائق كثيرة لم تأتِ بها نصوص شرعية، ولا رجعوا فيها إلى تفسيرات نصوص شرعية وشروح لدلالتها، كما زعم الناقد (د. العظم) في نقده القائم على المغالطات والأكاذيب.

وهل الملاحظة التي يُعتمد عليها في مناهج البحث العلمي إلا تتبع الظواهر بالإدراك الحسي، ورصدها ومحاولة تفسيرها؟

أفلا يحق لنا أن نقول: إن مناهج العلوم الحديثة قد اقتبسها من مناهج البحث عن المسلمين، الذين أخذوا بها إذ حثهم الإسلام على استخدامها، للتعرف على الظواهر الكونية، وما في عالم الحس من حقائق، ولتكون مادة يستدل منها على قوانين الكون وسننه وخفاياه؟

ولئن أنكر (د. العظم) هذه الحقيقة فقد اعترف بها كتّاب كبار من مؤرِّخي الحضارة الأوروبية الحديثة وعلمائها، وأعلنوا فضل حضارة المسلمين على الحضارة الحديثة، في مناهجها وفي نتائجها.

الوسيلة الثانية: هي وسيلة الاستدلال العقلي، وللاستدلال العقلي أصول وضوابط معروفة مدروسة في الفكر الإسلامي، ومعطيات هذا الاستدلال لا تكون علومًا مقطوعًا بها ما لم تكن يقينية غير قابلة لاحتمال النقض، وإلا كانت درجة قبولها مناسبة لدرجة قوة الاحتمال الذي رجحه الاستدلال.

ويعتمد الاستدلال العقلي على التجربة والاستقرار والتأمل العقلي المجرد، الذي يعطي أحكامًا منطقية جازمة، أو أحكامًا منطقية راجحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت