فليس لأحد أن يأتي بنظرية قابلة للتعديل، أو بفرضية من الفرضيات، ويجعلها علمًا مقطوعًا به، ثم يعيب بها ما يفهم من النصوص الدينية، ويزعم بذلك أن الإسلام يخالف العلم، وليس لأحد أن يأتي بفهم اجتهادي في النصوص الدينية، وهو محتمل للخطأ أو التعديل، ثم يجعل هذا الفهم الاجتهادي أمرًا مقطوعًا به في الدين، ثم يرد به ما أثبتته الوسائل العلمية الإنسانية إثباتًا نهائيًا مقطوعًا به، أو يرد به ردًا قطعيًا نظريات أو فرضيات من المحتمل أن يكون الواقع مطابقًا لها، فالفهم الاجتهادي في النص الديني أخذ بما ترجح لدى المجتهد من دلالته، مع احتمال أن يكون الواقع بخلافه، والنظرية العلمية فهم اجتهادي في تفسير الظواهر الكونية بما ترجح لدى الباحث من دلالاتها. ويظل العقل في كل منهما يفرض احتمال أن يكون الواقع بخلاف هذا أو بخلاف هذا، أو بخلافهما جميعًا، فليس أحدهما حجة على الآخر، إلا أن تكون أدلة ترجيحه أقوى، فيتقوى بأدلته دون أن يعطي قطعًا وجزمًا بنتائجه.
وتنفرد النصوص الدينية ببياناتها عن أمور الغيب التي تعجز الوسائل الإنسانية عن إدراكها حسًا أو استدلالًا.
ولدى اختلاف نتائج وسائل المعرفة حول فكرة واحدة، أو اختلاف نتائج الباحثين في حدود وسيلة واحدة، يجب التوقف عن الجزم والقطع، ويقضي المنهج الأمثل بمتابعة البحث في كل الوسائل الممكنة للظفر باليقين العلمي، ولا يمنع هذا من العمل في تطبيقات الحياة بمقتضى النتائج، ولكل باحث أن يعمل بما ترجح لديه، دون أن يُنحي باللائمة على من خالفه، لاحتمال أن يكون هو المخطئ لا من خالفه فيما توصل إليه، ما لم يظهر فساد الرأي المخالف بيقين، أو برجحان شبيه اليقين، وعند الظفر باليقين العلمي عن طريق أية وسيلة من وسائل المعرفة يتبين فساد كل الآراء المخالفة له، ويحكم عليها عندئذٍ بالمحو من ديوان المعرفة، وبالعزل عن مجالات النظر.
ولهذا أمثلة في الواقع العلمي، لقد سبق في تاريخ المعرفة الإنسانية أن دليل الحس البصري قدم لنا صورة حسية عن شروق الشمس وغروبها، فقرر المشاهدون المبصرون أن الشمس هي التي تتحرك وتسير في السماء من الشرق إلى الغرب، وأن الأرض ثابتة.
ثم انفتحت للإنسان دلائل الاستدلال العقلي اعتمادًا على أمارات كثيرة، فغيرت نظرته إلى هذه الحقيقة، وجعلته يفسر مشاهدات الحس تفسيرًا آخر، خلاصته أن الأرض هي التي تدور حول نفسها، فتشرق الشمس على قسم منها بهذا الدوران، وتغرب عن قسم آخر، ويتوهم الحس البصري أن الشمس هي التي تسير هذا السير، باعتبار اتحاد النسبة من جهة، وعدم شعور ركاب الأرض بحركتها من جهة أخرى.
وهنا نلاحظ وجود التناقض بين النتيجة التي قدمها الحس البصري والنتيجة الأخرى التي قدمها الاستدلال العقلي، وقام الجدل بين أنصار شهادة الحس البصري، وأنصار شهادة الاستدلال العقلي.
وكان على الإنسان أمام هذا التناقض في النتائج أن يعيد النظر لاستبانة المخطئ من الوسيلتين للظفر باليقين العلمي، نظرًا إلى أن أمارات العقل لم تقدم في حدودها الأولى يقينا ً.
ولدى إعادة النظر تبين للإنسان وجود احتمال كون الحس البصري هو المخطئ، وذلك حين دخل محطة انطلاق قطارات سكة الحديد، وركب في أحدها، وكان في جواره قطار ساكن، ولما انطق القطار الذي هو فيه خدعه حسه البصري فحسب أن القطار المجاور له هو الذي