وقال في"إحكام الأحكام"- لما أورد قول الخصم:"وقالوا: نرجِّح أحد الخبرين بأن يكون يميل إليه الأكثر من الناس".
فردَّ عليهم بقوله:
"ولأنَّ كثرة القائلين بالقول لا تُصَحِّح ما لم يكن صحيحا قبل أن يقولوا به، وقلة القائلين بالقول لا تُبطِل ما كان حقا قبل أن يقول به أحد، وقد بينا هذا جدًا في باب:"إبطال قول من رجح الخبر بعمل أهل المدينة"في آخر هذا الباب، وأيضا: فإنَّ القول قد يكثر القائلون به بعد أن كانوا قليلا، ويقلّون بعد أن كانوا كثيرا، فقد كان جميع أهل الأندلس على مذهب الأوزاعي رحمه الله ثم رجعوا إلى مذهب مالك، وقد كان جمهور أهل إفريقية ومصر على مذهب أبي حنيفة وكذلك أهل العراق ثم غلب على إفريقية مذهب مالك وعلى مصر والعراق مذهب الشافعي فيلزم على هذا: أنَّ القول إذا كثر قائلوه صار حقا وإذا قلوا كما ذكرنا عاد باطلا، وهذا هو الهذيان نفسه".
قلت: وهذا عام في كل نزاع، والعلماء الذين تكلموا عن الإجماع وحجيته إنما كان مصدر قوة الإجماع أنهم يحيلون أن يجمع العلماء فيما لا نص فيه، قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} وهذا عموم في كل ما شجر بغض النظر عن الجمهرة والكثرة والقلة.
وقد اختلف الصحابة في قتال أهل الردة فكانوا فريقين:
الفريق الأول: أبو بكر رضي الله عنه وحده.
والفريق الثاني: فيه عمر المؤيد بالتنزيل في قضايا عدة وباقي الصحابة، وكلهم أئمة ومنهم بقية الخلفاء، ومعهم نص"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم"، وفي هذا وقع تناظر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما كما في"الصحيحين"عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: