فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 37

والرغبات تستر العيوب، فالراغب في الشيء لا يرى عيوبه، حتى إذا زالت رغبته فيه أبصر عيوبه، فشدة الرغبة غشاوة على العين، تمنعه من رؤية الشيء على ما هو به، كما قيل:

هويتك إذ عيني عليها غشاوة ... فلما انجلت قطعت نفسي ألومها

والداخل في الشيء لا يرى عيوبه، والخارج منه الذي لم يدخل فيه لا يرى عيوبه، ولا يرى عيوبه إلا مَن دخل فيه ثم خرج منه.

ولهذا كان الصحابة الذين دخلوا في الإسلام بعد الكفر خيرًا من الذين ولدوا في الإسلام.

-قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه:

"إنما تنتقض عرى الإسلام عروة عروة؛ إذا ولد في الإسلام مَن لم يعرف الجاهلية"

وأما فساد الحواس ظاهرًا فإنه يمرض البدن وينهكه، وربما أدَّى إلى تلفه كما هو المعروف من أخبار من قتلهم العشق.

-وقد رفع إلى ابن عباس وهو بعرفة شابٌ قد انتحل حتى عاد جلدًا على عظم، فقال:

"ما شأن هذا؟ قالوا: به العشق، فجعل ابن عباس يستعيذ بالله من العشق عامة يومه".

الثامن: إن العشق كما تقدَّم هو الإفراط في المحبة، بحيث يستولي المعشوق على قلب العاشق، حتى لا يخلو من تخيله وذكره والفكر فيه، بحيث لا يغيب عن خاطره وذهنه، فعند ذلك تشتغل النفس عن استخدام القوة الحيوانية والنفسانية، فتتعطَّل تلك القوة، فيحدث بتعطيلها من الآفات على البدن والروح ما يعز دواؤه ويتعذر، فتتغير أفعاله وصفاته ومقاصده، ويختل جميع ذلك، فتعجز البشر عن صلاحه،

كما قيل:

الحب أول ما يكون لجاجة ... يأتي بها وتسوقه الأقدار

حتى إذا خاض الفتى لجج الهوى ... جاءت أمور لا تطاق كبار

والعشق مبادئه سهلة حلوة، وأوسطه همّ وشغل قلب وسقم، وآخره عطب وقتل، إن لم تتداركه عناية من الله تعالى، كما قيل:

وعش خاليًا فالحب أوله عنى ... وأوسطه سقم، وآخره قتل

وقال الآخر:

تولع بالعشق حتى عشق ... فلما استقل به لم يطق

رأى لجة ظنها موجة ... فلما تمكن منها غرق

والذنب له، فهو الجاني على نفسه، وقد قعد تحت المثل السائر:

"يداك أوكتا، وفوك نفخ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت