أتى القرطبي (رحمه الله) في تفسيره بالدلالة الحقيقة والمجازية وميَّز بين الدلالتين وبيَّن الغرض من استعمال المجاز ومن أمثلة ذلك:
أ- الطعام: عند تفسيره لقول الله تعالى: {أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ} [المائدة: 114] فقال: (( المائدة هو الخوان الذي يؤكل عليه الطعام ... ويسمى الطعام مائدة جوازًا لأنه يؤكل على المائدة ) ) [1] .
ب- التولية: عند تفسيره لقول الله عز وجل: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} قال القرطبي: (( تولى: تفعل وأصله الإعراض والإدبار عن الشخص بالجسم ثم استعمل في الإعراض عن الأوامر [2] والمعتقدات والأديان اتساعًا ومجازًا ) ) [3] .
ج- الهبوط: قال في تعليقه على الآية: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [البقرة: 74] : (( إن من الحجارة ما هو أنفع من قلوبكم لخروج الماء منها وتردِّيها.
قال مجاهد [4] : (( ما تردى حجر من راس جبل ولا تفجر نهر من حجر ولا خرج ماء إلا من خشية الله ... ) ).
وقيل: لفظة الهبوط مجاز، وذلك عن الحجارة لما كانت القلوب تعتبر بخلقها تاجرة، أي: تبعث من يراها على شرائها.
فقال إمامنا: (( قلت: كل ما قيل يحتمله اللفظ والأول صحيح فإنه لا يمتنع أن يعطي بعض الجمادات المعرفة فيعقل كالذي روي عن الجذع الذي كان ستند إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) ) [5] .
(1) الجامع لأحكام القرآن (6/ 367) .
(2) المفردات في غريب القرآن (ص 534) .
(3) الجامع لأحكام القرآن (1/ 338) .
(4) سيق ترجمته (ص 6) .
(5) الجامع لأحكام القرآن (1/ 465) .