أولًا: الحركة العلمية في الأندلس:
في الفترة التي عاش فيها القرطبي في الأندلس، كانت الحركة العلمية آنذاك نشطة مزدهرة، ولعل من أهم الأسباب لذلك هوان ابن تومرت مؤسس الدولة الموحدية، كان من علماء عصره الكبار، ففسح المجال للعلم والعلماء والحض على التعلم ويشهد له في ذلك قوله لاتباعه في كتاب ألفه لهم: (أعزُ ما يطلب وأفضل ما يكتسب، وأنفس ما يدخر وأحسن ما يعمل، العلم، الذي جعله الله سبب الهداية إلى كل خير، هو أعز المطالب وأفضل المكاسب وأنفس الذخائر، وأحسن الأعمال) [1] .
ولذلك ازدهرت الحركة العلمية، واقتدى به من بعده من الخلفاء والأمراء وكانت لهم المساهمة والقدم الراسخة في العلم والأدب [2] .
ومما ساعد على نمو الحركة العلمية هذه، كثرة الكتب والمؤلفات، وقد كان البعض من ملوك الأندلس كما جاء في"نفح الطيب": (يستجلبون المصنفات من الأقاليم والنواحي، باذلين فيها ما أمكن من الأموال، حتى ضاقت عنها خزائنهم وكانوا ذو غرام بها) [3] .
بل كان الأمراء والملوك يحبون العلم لدرجة أن أحدهم يبحث عن العلماء ليجمع العلوم مما لم يجمعه غيره ويفوق من كان قبله من الحكام في ذلك [4] .
ومما زاد الأندلس إرتقاءًا في العلم، هو ما كان عليه أهل قرطبة من محبة للعلم والمعرفة فكان ذلك متأصلًا في هوايتهم لذلك تعددت الهيئات العلمية لديهم وظهرت المؤلفات والعلوم في ربوع الأندلس، ونبغ علماء كثر في علوم شتى فنجد النهضة في علوم الفقه والحديث والتفسير، وكذلك الأمر في علوم اللغة من نحو وبلاغة وأدب وشعر وحتى التاريخ [5] .
(1) انظر: (عصر المرابطين والموحدين في المغرب والأندلس) (ص 645) .
(2) انظر (المعجب) ، (ص 356) .
(3) نفح الطيب (1/ 180 - 184) .
(4) المعجب (ص 311) .
(5) انظر نفح الطيب (1/ 215) وقرطبة في التاريخ الإسلامي (ص 96) .