ذكر ابن قدامة في كتابه"التوابين"عن جعفر الصائغ قال:
كان في جيران الإمام أحمد رجل ممَّن يمارس المعاصي، فجاء يومًا إلى مجلس أحمد، فسلَّم عليه فكأن الإمام أحمد انقبض منه، فقال له هذا الرجل: يا أبا عبد الله لِمَ تنقبض مني؟ فإني قد انتقلت عما كنت تعهدني برؤية رأيتها، قال: وأي شيء رأيت، قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم كأنه على علو من الأرض، وناس كثير أسفل جلوس، قال: فيقوم رجل رجل منهم إليه، فيقول: ادع لي فيدعو له، حتى لم يبق من القوم غيري، قال: فأردت أن أقوم فاستحييت من قبيح ما كنت عليه، قال لي يا فلان: لم لا تقوم إليّ فتسألني أن أدعوَ لك؟، قال: قلت: يا رسول الله يقطعني الحياء لقبيح ما أنا عليه، فقال: إن كان يقطعك الحياء فقم فسلنِي أدع لك (طالما أنك تستحي منِّي فهذه علامة طيبة) فإنك لا تسب أحدًا من أصحابي، قال: فقمت فدعا لي، فانتبهت وقد بغض الله إليّ ما كنت عليه، فقال جعفر: فقال لنا الإمام أحمد: يا جعفر، يا فلان، حدثوا بهذا واحفظوه فإنه ينفع.
وفي كتاب"التوابين"كذلك لابن قدامة أن أبو الفتح بن مخرق قال:
تعلق رجل بامرأة من بنات الشام، فتعرض لها وبيده سكين، لا يدنو منه أحد إلا عقره، وكان الرجل شديد البدن، فبينما الناس كذلك والمرأة تصيح في يده، إذ مرَّ بشر بن الحارث الحافي فدنا منه، وحكّ كتفه بكتف الرجل، فوقع الرجل إلى الأرض ومضى بشر، فدنوا من الرجل وهو يرشح عرقًا كثيرًا، ومضت المرأة بحالها، فسألوه: ما حالك؟ فقال ما أدري، ولكن حاكنى ... شيخ، وقال: إن الله ناظر إليك وإلى ما تعمل، فضعفت لقوله قدميّ، وهبته هيبة شديدة لا أدري من ذاك الرجل، فقالوا له: ذاك بشر بن الحارث، فقال: واسوأتاه كيف ينظر إليّ بعد اليوم؟!
وحُمّ الرجل من يومه ومات اليوم السابع
ومَن لا يستحي من فعل المعصية أمام الناس فهو من أشر الناس.
فقد ذكر الإمام أحمد عن العبد الصالح لقمان أنه قيل له:
أي الناس شر، قال: مَن لا يبالي أن يراه الناس مسيء
رابعًا: الاستحياء من النفس:
مَن استحي من الناس ولم يستحِ من نفسه، فنفسه أخسّ عنده من غيره؛ لأنه يراها أحقر من أن يستحي منها، ومن المعلوم أن الإنسان إذا همَّ بقبيح فإنه يستحي ممَّن يكبر في نفسه، ولذلك فإنه لا يستحي من الحيوان ولا من الأطفال ولا من الذين يميزون، ويستحي من العالم أكثر مما يستحي من الجاهل، ومن الجماعة أكثر مما يستحي من الواحد، وينبغى على الإنسان إذا كبرت عنده نفسه أن يكون استحياؤه منها أكثر من استحيائه من غيره.